من الحقائق المعلومة في علم الفيزياء ان لكل فعل رد فعل، ولاشك ان رد الفعل يتأثر بحجم الفعل من جهة وبتقدير النتائج المستقبلية من جهة أخرى. ويقوم نجاح رد الفعل في الغالب على المنهج والتنظيم والاطار الذي يتم من خلاله صياغة جوانبه والمعطيات التي تحدد مساراته. ومن أنجح ردود الفعل تلك التي يتم صياغتها ليس لإنهاء حالة الفعل وتداعياته فقط وإنما لارساء حل فعلي ودائم للمشكلة التي نتج عنها ذلك الفعل في الأساس. ومن أقل ردود الفعل نجاحاً وأقربها إلى الفشل تلك التي تركز على انهاء المشكلة ثم نسيان الموضوع تماماً وعدم معالجة أسبابه.

وإذا نظرنا إلى أسلوب الولايات المتحدة الأمريكية في معالجتها لتداعيات أزمة الحادي عشر من سبتمبر، فإننا سوف نلاحظ أن رد الفعل تضمن جوانب عاجلة لمعالجة المشكلة وجوانب أخرى متدرجة لمواجهة المزيد من تداعياتها. كما نلاحظ ان الولايات المتحدة اتخذت العديد من القرارات على مستوى أصعدة كثيرة محاولة منها لمعالجة الوضع من جهة، وتلافي أوجه القصور من جهة أخرى. ومن الجوانب المهمة في بعض القرارات الأمريكية الاعتراف بوجود الخطأ ومواجهة عموم الناس به واحاطتهم بالاجراء المناسب وفق وجهة نظر صانعي القرار. ولاشك ان تجاوز حدوث أزمة اقتصادية كبيرة جداً بحجم الحدث وتداعياته يدل على نجاح المعالجة العاجلة والمتدرجة.

ومن اللافت للانتباه في حالة أمريكا هو ذلك الموقف الوطني الذي شمل جميع قطاعات المجتمع الأمريكي سواء عامة الناس أو المؤسسات الرسمية أو الأحزاب التي لا تتفق في مبادئها وبرامجها وآرائها. هذا الموقف الوطني تجسد بشكل ملحوظ في مرحلة مواجهة الأحداث المؤسفة ونجحت في تدعيم الثقة وتلاحم المجتمع والحكومة وبناء أرضية صلبة لاتخاذ القرارات المناسبة. ولاشك ان لمثل تلك الأحداث تداعيات سلبية طالت المسلمين والعرب وبعض مؤسساتهم وأخفقت المؤسسات الأمريكية رغم بعض الجهود في منعها وذلك بسبب ما قامت به بعض وسائل الإعلام التي كان لها تأثير سلبي في رسم صورة نمطية جعلت بعض عموم الناس يقوم ببعض الأعمال غير المقبولة على الاطلاق. كما كان للمؤسسات الأمنية الأمريكية بعض الممارسات الخاطئة تجاه استجواب بعض العرب والمسلمين وتعريضهم للحجز دون أسباب واهانة لبعضهم متجاوزين بذلك المبادئ التي تقوم عليها الولايات المتحدة، بل وتقوم عليها الإنسانية قبل كل شيء. ومن جوانب رد الفعل الأمريكي إعادة النظر في بعض الأنظمة والسياسات الداخلية، واللجوء إلى انشاء وزارة جديدة للداخلية تتولى التنسيق بين الجهات الأمنية وترتيب سياساتها ومواقفها تجاه الأزمة والأخطار التي ربما تحدق بالبلاد. أصبح القرار واضحاً في الحياة الأمريكية ووقف مجلس الشيوخ الأمريكي وراء رئيس الولايات المتحدة، واصبحت اللغة واحدة. هذه سياسة رد الفعل التي صاغتها المؤسسة الأمريكية ولاتزال لمواجهة آثار الأزمة ونتائجها. هناك ـ باختصار ـ استراتيجية منظمة لاتخاذ القرار وتفادي المزيد من المشكلات ومعالجة تداعيات الوضع ومواجهة المشكلة ذاتها ونتائجها القوية.

وفي العالم العربي والإسلامي نجد اننا أمام رد فعل بطيء وغير ملموس بحجم الأحداث التي تحدق به. لم نسمع عن قرارات عربية وإسلامية داخلية أو خارجية تستهدف إصلاح أوضاع معينة نتجت عن تلك الأحداث. بل في بعض الحالات نجد أن العالم العربي والإسلامي أصبح ساحة لتطبيق نتائج ردود الفعل في الولايات المتحدة والاستجابة لها فقط، بينما لم تنشأ لديه ردود فعل كافية لمواجهة الموقف.

الداخل بالنسبة للعالم العربي والإسلامي هو جبهة مهمة لمواجهة رد فعل الآخر من جانب ولمعالجة تداعيات الأزمة من جانب آخر. والجبهة الداخلية لأي دولة عربية وإسلامية هي الأساس المهم لصياغة الموقف والسياسة والاجراء المناسب للأحداث ونتائجها التي اخذت في الزحف على تلك الدول بشكل سريع يتجاوز امكانات بعضها.

ما هي يا ترى فائدة الجبهة الداخلية؟

من المهم ان ينطلق الاصلاح واستقراء الأوضاع في المستقبل ومعالجة الأخطاء وجوانب القصور من داخل المجتمع العربي المسلم، وان تكون هناك رابطة اتصال بين القيادة والمجتمع المثقف القادر على التشخيص ووصف الأحوال وابداء الرأي حيال العلاج المقترح. ومن المهم ايضاً أن ندرك أن بعض جوانب ذلك التشخيص ربما تتعرض للمبالغة والمغالاة وذلك نتيجة في الغالب للحرص الشديد والرغبة القوية في معالجة الأمور وللتأثر بالأوضاع. واحتمال وجود المبالغة والمغالاة في الآراء ينبغي الا يكون حائلاً دون الوصول إليها لأن في بعضها اخلاصا مهما وولاء ثمينا.

وعند قراءة بعض ردود الأفعال، إذا صح لنا أن نطلق عليها ردود أفعال، نجد انها لا ترقى إلى مستوى الوضع الذي يعيش فيه العالم العربي. فلقد عقدت جامعة الدول العربية ندوة علمية حول صراع الحضارات بينما لم تتجه نحو موضوع أهم وهو العلاقات وتداعيات الأزمة الأمريكية والإرهاب!! هناك فارق كبير بين المطلوب معالجته الآن، والمطلوب معالجته غداً.

وإذا نظرنا إلى الإعلام العربي فسوف نصاب باحباط شديد من عدة وجوه. أولها فقدان الوسيلة الإعلامية المناسبة لمخاطبة الآخر! هل يوجد لدينا وسائل إعلامية بالانجليزية لمخاطبة الغرب؟ وهل سيوجد؟! هل حاولنا توجيه خطابنا العربي إلى الغرب عبر المثقفين الذين درسوا في الغرب ولديهم معرفة باللغة وبتلك المجتمعات؟! هل واجهنا بعض الكتابات الغربية السيئة بكتابات عميقة تتضمن رداً شافياً ووافياً؟! هل حاولنا معرفة الخط الإعلامي الذي تسير فيه بعض الكتابات الغربية السيئة ومواجهتها بالشكل الملائم فضلاً عن شجبها وشتمها؟! هل بدأنا في وضع برنامج متكامل لايصال وجهة نظرنا إلى الآخر على غرار ما تقوم به الولايات المتحدة التي كلفت كل أمريكي يتحدث العربية أو لديه معرفة بالعالم العربي بالظهور عبر قنواتنا الفضائية العربية ومحاورتنا بدلاً من محاورتهم؟!

إن رد الفعل المطلوب ـ في رأيي ـ يتطلب العديد من العناصر والأطر كي يحقق نجاحه المستهدف منها:

أولاً: على المجتمع العربي المسلم ان يكون أكثر انفتاحاً في مناقشة اخطائه وأوجه قصوره في المجالات جميعها، وان لا يتردد في وضع بعض القضايا العامة في دائرة اللاممنوع. ثانياً: على المجتمع العربي المسلم أن يدرك ان رد الفعل يحتاج إلى تحديد جميع جوانب الفعل نفسه ونتائجه وتداعياته التي حدثت والمتوقعة. والمهم أيضاً هو رسم اطار عام لرد الفعل يأخذ في الاعتبار المواجهة والعلاج الآني والحل المستقبلي. ثالثاً: من الضروري ان يدرك المجتمع العربي المسلم ان مثل هذه الأحداث المؤسفة تكون مفيدة جداً من حيث اتاحة الفرصة للتعرف على مواطن الخلل ومواطن القوة، ولاتخاذ القرار المناسب للاصلاح وتحسين الأوضاع، وإذا فاتت هذه الفرصة فإن نتائج ذلك ستكون مضرة بالفعل. رابعاً: على مواطني المجتمع العربي المسلم ان يتفاعلوا مع الأحداث بكل صدق واخلاص وان يبتعدوا عن المبالغة ما أمكن ذلك، وأن يفكروا باعتبار الماضي ورؤية المستقبل وخصوصية الحاضر. واقصد بخصوصية الحاضر هو أنه ينبغي على الجميع عدم النظر إلى أي حدث مثل هذا على أنه فرصة لتفريغ ما لديه من آراء وانتقادات دون تمحيص أو مراجعة باعتبار خصوصية الأوضاع التي يعيشها المجتمع بسبب الأحداث. وأخيراً، على المجتمعات العربية المسلمة ان تعطي لرد الفعل مساحته المناسبة باعتبار النتائج والتشخيص وضرورة الاصلاح. كما أن عليها أن تقبل بالحوار المنظم والاستماع إلى الجميع وايصال وجهات نظرها وما لديها من معلومات إلى الجميع بدلاً من تلهفهم إلى تلك المعلومات من مصادر أخرى أو التأثر بالغموض الذي يحيط ببعض الأخبار التي تظهر بين وقت وآخر في وسائل الإعلام الخارجية. ان الفعل الذي حدث لم يمس فقط الولايات المتحدة وإنما امتد إلى العالم العربي والإسلامي، وينبغي أن يكون رد الفعل ملائماً لذلك الامتداد ومعالجاً لتداعياته ومفيداً في استمراريته برؤية مستقبلية تتفادى مثل هذه الأزمات وتقوي من بنيته الداخلية وتصلح شؤونه التي تكشفت وتتطلب الاصلاح.