الفقر ربما هو الحالة الوحيدة التي نمر بها فتكسبنا خبرة حقيقية عن كيفية علاجها، بخلاف المرض وغيره مما يمر علينا من حالات نعاني منها لكننا لا نعرف كيف نتجاوزها وما الحلول لها.

إذا الفقر معنا تجارب كثيرة فيه، إنها تجارب أعطتنا الدراية بكيفية التعامل معه وطريقة القضاء عليه أو التخفيف من حدته.

الفقر هو أساس كل بلوى، أساس الضغينة والكراهية والسرقة والاختلاس وهو رصاصة القضاء على السعادة، كما أنه -أي الفقر- السم الذي كلما صبرت عليه قتلك، ولو كان الفقر رجلاً لقتلناه إن أمسكنا به، لكنه مع كونه قاسياً وشرساً وداعياً لك مصيبة إلا أنه جبان لا يظهر في النور ولا يواجه الجماعات ولا يقوى على نقض الأيدي المتماسكة أو كسرها.

وحتى نقضي على العوز والحاجة التي توصل الفرد إلى أن يسرق أو يختلس أو يتحايل وفي النهاية يحقد على المجتمع ويكون عنصر هدم وينشأ داخل أهله كقنبلة موقوتة، وحتى نقضي على معاناة أرملة لديها عدد من الأولاد الذين لم يحصلوا على شيء يعينهم على الحياة، أو لديها بنات وعجزت عن القيام بما يلزمهم من مصاريف ضرورية، وحتى نصل إلى الحفاظ على كرامة الفرد، كرامته التي ولد بها ويفترض أن يعيش بها أيضاً.

علينا أن نشعل الضوء العلمي ونعطي الطالب الأمان والضمان دون قلق على مستقبله بأن له مكانا في الجامعة، وأن لا نجعل الطالب في انشغال وتفكير سوداوي لا يرى معه إلا طريقاً مسدوداً في نهاية السلم التعليمي والذي يقف في آخر درجة من درجاته العلوية.

لأنه بهذا التفكير يحبط، وخلال مسيرته يحقد وفي نهاية الأمر يفشل أو يتسرب غير آبه ولا مفكر في مصلحة مجتمعه الذي لم يعطه نصيباً من تسهيل الحياة الآمنة علمياً وعملياً، إنه لن يفكر في أي معوقات سوى المعوقات التي اعترضته شخصياً وبناء عليها يشعر بالظلم ويحس به ولو لم يكن مبرراً لكنه يعيشه ويذوق نتائجه.

ولكي يقبل الطالب في الجامعة يصدر الأمر بذلك فيتم بل ويتم حوله كل ثناء وشكر من المجتمع كله لأنه يعني الجميع ويصل إلى الجميع فيقطف ثمرته الوطن بمن فيه، فليكن ذلك حتى ولو تم الاضطرار إلى تغيير شيء في وضع الجامعات الحالية وتبديل أي موانع وعوائق وجعلها أبواباً مشرعة، وهذا أمر سهل جداً لأن بلدانا حولنا هي بالفعل كذلك، وطلابنا وجدوا في جامعاتهم مقاعد، لأن الجامعة ما هي إلا ثانويات متعددة في سور واحد، أي أن من يخرج من الثانوية كيف لا يجد له مكانا في ثانوية مشابهة؟!!

الشيء المرادف للقبول في الجامعات وهو المهم بعد ذلك في القضاء على معاناة الفقر وجرحه وألمه، هو وجود وظيفة وعمل لكل شاب وشابة، وبأجر يتناسب مع البيئة التي نحن فيها والوضع الذي نعيشه.

ليس بدخل قليل يستهلكه ويحوله إلى سمسمة في معصرة السمسم لاستخراج زيتها، لأن هذا الزيت قد يحرق الجميع.

لكن لنجعله فرداً له تقديره لكي يطور الجهاز الذي ينتمي إليه ويحس بالانتماء والحب له وينعكس حبه هذا للبيئة الاجتماعية.

علينا أن نعطيه الإحساس أنه منا وجهده له قبل أن يكون لنا لنرى في النهاية علامات البشر تعلو محياه والسعادة ترفرف على مبناه.

إنها إن رفرفت على مبناه، فإنها سترفرف على مبنى الوطن كله ويكون الفرد السعودي بحق أسعد ما يكون وهو أكثر من نأمنه على مقدرات بلدنا وهو ركيزة الاقتصاد الحقيقية والمحرك لها وهو عدتنا في الأيام القادمة لكن لنبدأ من الآن تحقيق ذلك.

إن وظيفة الفرد تعني كرامته وكرامة أسرته وانحسار الفقر عنهم، وهي أساس قوي وثابت.

وقبل أن أختتم قولي هذا أذكر أن جدي قال لي يوماً بعباراته التلقائية:

فيه شغل يجي لك

وشغل انت تجي له

وشغل تجاب له انت

وشغل يجاب لك

وشغل ما جيت له، وينتظرك

وشغل تنتظره، ولا يجي لك

وأشغال كثيرة مهيب لك خلها لأهلها

وأشغال كثيرة لك لا تخلها لغيرك

وكل هذه الأشغال موجودة في بلدنا الله يحفظها ويحفظ حكومتنا.