إن مجتمعاً لا يحترم أفراده العمل الجاد، ولا يعشقون الإنتاج والإتقان، ولا يصبرون على المشاق، هو مجتمع أجوف وإن جادت عليه أرضه بثرواتها الناضبة.. فهي ثروة ورقية زائلة.. الثروة الباقية هي القدرة الذاتية على العمل الجاد وتحمل المشاق وعشق الكفاح وحب الإنتاج والحرص على الإتقان

في البدء ليس هذا المقال ضد الأجانب - والعرب ليسوا أجانب - الذين وفدوا للمملكة ودول الخليج بشكل نظامي للقيام بعمل شريف، فهؤلاء مقدورون وليسوا ملومين نحن الملومون حين نسرف في استقدام الأجانب وحين نعتمد عليهم في بيوتنا وفي متاجرنا وأعمالنا اعتماداً كبيراً.. فإن في ذلك مخاطر كبيرة بعضها ظهر وبعضها في الطريق.. بعضها نحس به وأكثرها لا نحس به ولا نشعر..

@@@

وأنا أحياناً أذهب إلى البقالة في الصباح الباكر لأحضر خبزاً حاراً وحليباً طازجاً وبعض الصحف التي لا تصل إلى البيت.. وأشهد دائماً مشهداً متكرراً، وهو توافد السيارات التي يقودها أجانب يحضرون للبقالة الكبيرة - لنا في الواقع - كل شيء: الخبز.. والحليب.. الصحف والمجلات.. العصائر والمعلبات.. وكل شيء تقريباً.. لم أجد في حياتي حتى الآن سعودياً واحداً يقوم بتوزيع هذه الأشياء الأساسية على جميع الأحياء، في كل المدن والقرى، بل وفي محطات الوقود على الطرق .. في الصحراء.. بل من يفعل ذلك أجانب..

وفي الطريق، وحين تمر بمسكن صغير أو كبير.. يعمر.. أو بعمارة شاهقة تقام.. لن تجد سوى الأجانب يعملون كخلية نحل.. فأين السعوديون؟ وأين الخليجيون فوضع بعض دول الخليج أخطر من وضعنا - وكلنا في زورق واحد - فالتركيبة السكانية في بعض دول الخليج مختلة بشكل خطير، فعدد الأجانب أكثر من عدد المواطنين بشكل كبير..

وفي الاجتماع الأخير لوزراء العمل في دول الخليج العربي مع وزراء العمل في شرق آسيا استطاع الأولون بمشقة إقناع نظرائهم أن العمالة الوافدة لدول الخليج إنما هي بغرض الإقامة لا الهجرة!!

بمعنى أن دول شرق آسيا تريد لعمالتها الكثيفة المنتشرة في دول الخليج أن تكون عمالة مهاجرة.. أي دائمة الإقامة لا يستطيع أحد إخراجها!

@@@

قلت:

إن الاعتماد على الأجانب خطيرٌ جداً من عدة جوانب:

1- فأول مخاطره أنه يجعل أبناء البلد يعتادون الاتكالية، ويعتمدون على الأجانب في الأعمال الإنتاجية الجادة، وبهذا يظل أبناء البلد غير منتجين بالمعنى الصحيح وإن شغلوا وظائف، وغير معتادين على العمل الجاد والإنتاج الحقيقي.. بل يجعلهم الاعتماد على الأجانب أميل إلى الكسل وحب الرفاهية والترف والحرص على الكسب بدون عمل حقيقي جاد..

وكفى بهذا وحده خطراً فإنه يهدم قيمة العمل الجاد في النفوس، وينشر الترف التافه بين كثيرين، ويجعلهم عالة على المجتمع البشري وهم لا يشعرون..

إن مجتمعاً لا يحترم أفراده العمل الجاد، ولا يعشقون الإنتاج والاتقان، ولا يصبرون على المشاق، هو مجتمع أجوف وإن جادت عليه أرضه بثرواتها الناضبة.. فهي ثروة ورقية زائلة.. الثروة الباقية هي القدرة الذاتية على العمل الجاد وتحمل المشاق وعشق الكفاح وحب الإنتاج والحرص على الإتقان، وكل هذه العوامل الرئيسة في بناء الإنسان تكاد تتلاشى في مجتمعاتنا الخليجية بسبب الاعتماد على الأجانب في الأعمال الشاقة، وفي الحرف اليدوية، وفي الصيانة، وفي أعمال البيوت أيضاً.. هنا يعتاد هؤلاء المخدومون على الكسل والخمول، ولا تعود لهم طاقة أو قدرة على الأعمال الجادة، وهذا بحد ذاته مصيبة حقيقية، تصيب أصحابها بالكسل والخمول وحب الترف والرفاهية حتى إذا انتشر الترف وساد صار فيروساً كفيروس الإيدز يسلب المجتمع مناعته الذاتية ويجعله غير قادر على مقاومة الأمراض الاجتماعية كمرض الإسراف والتبذير، ومرض الكسل والخمول، ومرض الاستخفاف بالعمل والمال، ومرض الاتكالية على الدولة وعدم الاعتماد على النفس، وسلسلة لا تنتهي من الأمراض الاجتماعية سبق ذكر الكثير منها في مقالي "الإيدز الاجتماعي" والمنشور هنا سابقاً في حروف وأفكار.

2- ومن مخاطر الاعتماد على الأجانب شيوع البطالة السافرة.. والبطالة المقنعة بين المواطنين.. فالمواطنون لكثرة ما اعتمدوا على الأجانب في الأعمال المنتجة لا يقدرون عليها أو يخيل لهم ذلك فيبحثون عن الوظائف الحكومية أو شبه الحكومية التي دخلها مضمون وإنتاجها قليل، (وفي دراسة لمعهد الإدارة أن معدل إنتاجية الموظف الحكومي لدينا لا تزيد على ساعتين وباقي الدوام بطالة مقنعة).

وتنتشر ثقافة الوظيفة الحكومية وتتراكم على مرِّ السنين فيبحث الناس عن أسهل الأعمال ويتجنبون الأعمال الجادة ولا يحبون المخاطرة بإنشاء أعمال خاصة ولا المبادرة بتكوين مؤسسة صغيرة تكبر مع الزمن وتضيف عائداً حقيقياً للناتج الوطني، فوق ما تفتح لأصحابها من افاق التقدم والنجاح التي بلا حدود..

ومع انتشار الترف والكسل يصنع المجتمع له قيماً غير صحية ولا صحيحة، من ازدراء الحرف اليدوية والزهد في الأعمال التي تتم في الميدان، مع أن الحرف اليدوية هي أعمال أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فنوح كان بحاراً، وإدريس كان خياطاً، وداوود كان حداداً، ولو قلت لكثير ممن اعتمدوا على الأجانب إنك ابن حداد لثار وغضب وكأنها سبة وعار، مع أنها مهنة شريفة لا غنى للمجتمع عنها ولا قوة له بدونها، وكذلك النجارة والخياطة والخرازة، وقد كانت أم المؤمنين زينب بنت جحش القرشية المخزومية الحسيبة النسيبة (زوج رسول الله وكفى) كانت صَنَاعاً تدبغ وتخرز وتخيط، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أكل الرجل شيئاً أطيب من عمل يده" أو كما قال عليه السلام.. وصافح رجلاً فوجد يده خشنة من أثر العمل فقال: "هذه يدٌ يحبها الله ورسوله"، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب مهن وزراعة وتجارة، وعلماؤنا وأعلامنا عرف كثير منهم بحرفهم كالزجاج والقفال والمبرد والقطان والنجار والبزار والنَّحاس والدباغ..

المسألة واضحة جداً: لا نهضة لمجتمع بدون الحرف اليدوية المتوطنة فيه والتي يمارسها أبناؤه ويتوارثونها ويطورونها، فالحرف اليدوية لا غنى عنها أبداً فهي التي تبني المساكن والعمارات والدوائر الحكومية، وهي التي تصونها، وهي التي تصلح وسائل النقل وكل الأجهزة فضلاً عن الأعمال اليدوية الدقيقة التي تساهم في الحضارة البشرية بشتى السبل.

الشاهد في الأمر أن طول الاعتماد على الأجانب ألغى أو كاد الحرف اليدوية في مجتمعاتنا الخليجية، وقد كانت موجودة قبل ذلك الاعتماد، فهناك البناؤون (الاستاد) والنجارون والحدادون والنساجون ومختلف المهن والحرف اليدوية يقوم بها أبناء المملكة وأبناء دول الخليج عامة - ولكن مع وفرة عائدات النفط ابتدأنا نعتمد على الأجانب بالتدريج حتى بلغ الاعتماد منتهاه فتجنب المواطنون الأعمال الجادة واقتصروا على الأعمال الكتابية وشبه الكتابية في مكاتب مكيفة وبإنتاجية ضئيلة حتى لم تعد تلك الوظائف تستوعب فخرجت البطالة سافرة في المملكة ودول الخليج العربية، ومن أعجب العجب أن توجد بطالة مواطنين في بلدان توفر عشرات الملايين من فرص العمل لغير أبنائها، ولكنه الاعتماد على الأجانب ولد لدى المواطنين عزوفاً عن الأعمال الجادة، والاختلال في مخرجات التعليم فلم تتوافق مع متطلبات السوق والاقتصاد، وهكذا أصبحت المملكة ودول الخليج العربية تعيش في مأزق حقيقي، يضاف له النزيف الهائل من العملات الصعبة التي تحولها العمالة الوافدة لبلدانها.. وقد يحتمل الاقتصاد طالما كان النفط مدراً ومرتفعاً ولكن ماذا عن المستقبل؟ وماذا عن الأجيال القادمة؟

3- الاعتماد على الأجانب حتى في البيوت - وبشكل مغالى فيه أحياناً - علَّم الأولاد الكسل والدلع والترف حتى إن الطفل والغلام ليستدعي الخادمة من بعيد لتحضر له كأس الماء من الثلاجة القريبة، وحتى إن بناتنا كثيراً منهن لا تجيد الواحدة منهن لا الطبخ ولا الغسيل ولا التنظيف فأي ربات بيوت قادمات؟

يضاف إلى هذا أن الاعتماد على الأجانب في البيوت له مخاطر أمنية وأخلاقية متعددة الجوانب.

4- الاعتماد على الأجانب يعني زيادة عدد الوافدين واختلال التركيبة السكانية على المدى القريب أو البعيد وفي ذلك خطورة أمنية استراتيجية، فوق ما فيه من مخاطر أخلاقية بعضها ظاهر وبعضها خاف مستتر، فالمملكة ودول الخليج شبابها مستهدف لكثرة المال فيها مما يغري عصابات الإجرام في الخارج بإغراق بلداننا بالمخدرات والخمور وأصناف الموبقات.

5- الاعتماد على الأجانب هو شرخ خطير في الهوية الوطنية وفي اللغة العربية (لغة القرآن الكريم) ومما يؤسف له أن كثيرين يكسرون لغتهم لكي يفهم الأجانب ولو تكلموا بشكل صحيح لفهم الأجانب بالتدريج، حتى الأطفال الذين لا تزال اللغة العربية تتشكل لديهم لم تستقم بها ألسنتهم أصلاً يكسرون الكلام كأنهم أعاجم لكي تفهم الخادمة والسائق وهذا أمر كريه، ينبغي تعويد أطفالنا على الكلام مع الأجانب باللغة العربية بدون أي تكسير وسوف يفهمون، وأنا شخصياً أعمل هذا ويفهم من حولي، فالعربية واضحة أوضح من المكسرة ولكنه الاعتقاد الخاطئ بأن تكسير اللغة أسهل للفهم.

@@@

أن الاعتماد على الجانب وتكاثرهم في المملكة ودول الخليج العربية خطير العواقب وينبغي الإقلال منهم قدر الإمكان وتفضيل العرب على المسلمين دائماً في الاستقدام.