"طريق روسيا الخاطئ: ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعله"؛ عنوان لكتاب عبارة عن تقرير مفصل أعدته لجنة متخصصة تحت إشراف مجلس العلاقات الخارجية حول مستقبل العلاقات الأمريكية -الروسية في ظل التحولات التي شهدتها روسيا خلال السنوات الأخيرة؛ والتي تمثلت في تعزيز سلطات الدولة الروسية في الشأن الداخلي، مما ألقى بظلاله على مستقبل الانتقال الديمقراطي في روسيا، بالإضافة إلى الاتجاه الجديد في السياسة الخارجية الروسية بقيادة الرئيس بوتين والمتمثل في لعب دور مستقل وفاعل على الساحة الدولية حتى ولو تسبب ذلك في الدخول في خلافات مع الولايات المتحدة. هذه النزعة "السلطوية" في الدخل و"الاستقلالية" في الخارج تصطدمان بالصورة التي انطبعت عن روسيا خلال عهد الرئيس بوريس يلتسن، مما يتطلب من جانب الولايات المتحدة إعادة النظر في إستراتيجية التعامل المناسب مع موسكو بما يحافظ على المصالح الأمريكية من جهة، ويحمي ما تحقق من مكاسب من جهة أخرى.

وتخلص اللجنة في دراستها إلى أن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا لا تزال في مرحلة التعاون ولم تصل إلى مستوى الشراكة كما يروج له المسؤولون سواء أكانواالأمريكيين أو الروس حيث تبقى جملة من القضايا التي تقف عائقاً أمام الانتقال إلى هذه المرحلة المتقدمة. بل إن اللجنة تؤكد أن واقع العلاقات مع روسيا يظهر أن مجالات الخلاف اصبحت اكثر من التعاون. وتركز الدراسة على الأوضاع السياسية الداخلية لروسيا حيث شهدت تراجع الديمقراطية وتزايد النزعة التسلطية وتشير إلى جملة من المؤشرات التي تؤكد هذه النزعة ومن بينها التضييق على مؤسسات المجتمع المدني والتعسف في استخدام السلطة وتزايد الرقابة على وسائل الإعلام وترى الدراسة أن حكومة الرئيس بوتين قد استفادت من النمو الاقتصادي لتعزيز قوة الدولة وسيطرتها على المجتمع.

كما ترى الدراسة أن هذه التحولات السلبية لابد أن تترك أثراً على السلوك الخارجي الروسي مما سينعكس على مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة ونشير هنا إلى سلوك روسيا تجاه جيرانها حيث تميل إلى ممارسة الضغط للحفاظ على مصالحها التقليدية واستخدام ورقة النفط والغاز لهذا الغرض.

وتشير الدراسة إلى انه رغم ظهور مؤشرات على تطورات اجتماعية واقتصادية تظهر تقدماً في المجتمع الروسي إلا أن الدولة وتحت قيادة الرئيس بوتين استطاعت تعزيز سلطتها تجاه المجتمع بشكل يعيق مسيرة الانتقال الديمقراطي. وتؤكد على أن الموقف من الأوضاع الداخلية في روسيا لا ينطلق من أحكام قيمية فحسب، بل هو مسألة إستراتيجية بسبب انعكاسه على السلوك الخارجي لموسكو ومن ثم يتوجب الاهتمام بما يجري في الداخل ومحاولة التأثير عليه. كما أن النمو الاقتصادي المستمر خلال عهد بوتين يبقى نمواً هشاً لكونه يعتمد في الدرجة الأولى على ارتفاع أسعار النفط والغاز وقد لا يؤسس لاقتصاد حديث مزهر يمكن أن يكون دعامة لدولة روسية حديثة.

ورغم أن الطاقة تمثل احدى ركائز العلاقة الروسية بالولايات المتحدة بالنظر إلى حجم الانتاج والتصدير الروسي إلا أن توجه الدولة في السنوات الأخيرة نحو إحكام سيطرتها على قطاعي النفط والغاز من منظار الموارد الإستراتيجية قد يكون عائقاً أمام الاعتماد على روسيا كمصدر بديل للطاقة. ولقد كان للأزمة الروسية الأوكرانية حول تزويد كييف بالغاز أثر سلبي حيث كانت الأزمة وفقاً للنظرة الغربية محاولة من موسكو لاستخدام النفط أداة وسلاحاً للضغط لإضعاف التوجهات الغربية للحكومة الأوكرانية الحالية.

كما أشارت إلى تغير في موقف روسيا تجاه التواجد العسكري الأمريكي في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز فرغم أنها لم تظهر ممانعة لهذا التواجد بعد أحداث سبتمبر مباشرة إلا أن هناك مؤشرات جديدة تعكس مخاوف روسية من هذا التواجد كمصدر للتهديد للمصالح القومية الروسية.

وتوصي الدراسة بأن واشنطن ملزمة بمواصلة دعم جيران روسيا للحفاظ على استقلالها أمام الجارة الكبرى ولمواصلة الانتقال الديمقراطي حتى لو تعارض ذلك مع رغبات موسكو. وبدلاً من التعليقات والتصريحات الظرفية حول الأوضاع في روسيا أو في المناطق المجاورة لها تقترح الدراسة تبني برنامج عمل طويل المدى ينجح في الدفع بالتطورات التي لا تتعارض مع المصالح الأمريكية.

وتدعو الدراسة إلى ضرورة الوصول إلى موقف أوروبي أمريكي موحد تجاه روسيا حيث إن موسكو تحاول استغلال أي تباين في الموقفين. وتشيرالدراسة إلى أن نمو الاقتصاد الروسي تسبب في تراجع واضح في قدرة الغرب على التأثير في السلوك الروسي حيث لم تعد روسيا بحاجة إلى المساعدات والقروض كما كان الحال في التسعينيات. وفي هذا المجال فان رغبة موسكو في الاندماج في مؤسسات المجتمع الدولي يمكن استثمارها للتأثير على سلوكها الخارجي وتشير الدراسة هنا إلى طلب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية مع التذكير بأن الغرب لم ينجح في استثمار انضمام روسيا لمجموعة الدول الصناعية السبع حيث كانت هذه ورقة مهمة في التأثير عليها سواء بالنسبة لأوضاعها الداخلية أو علاقاتها مع جيرانها.

في المقابل تؤكد الدراسة على ضرورة استمرار التعاون مع موسكو خاصة في مجال الحد من انتشار الأسلحة النووية ومعالجة الأزمة الإيرانية وذلك لأهمية الدور الروسي في هذا المجال الذي بدونه قد لاتنجح جهود واشنطن في التصدي لأخطار الانتشار النووي.

ورغم أن الدراسة لاترى ضرراً في نمو العلاقات التجارية الاقتصادية بين روسيا والصين إلا أنها تنبه إلى احتمالات نمو هذه العلاقات إلى مستويات استراتيجية قد تشكل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة في وسط آسيا.

إن أهمية الدراسة تتضح من خلال ما ظهر خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد أحداث سبتمبر باعتبار روسيا أحد المصادر البديلة للطاقة لتخفيف الاعتماد على منطقة الخليج وخاصة المملكة بسبب ما أثير حول مخاطر التهديد الإرهابي. والدراسة تشير هنا إلى نقاط مهمة يمكن استثمارها في إعادة النظر في هذا الافتراض من ثلاث زوايا:

1- نزعة الكرملين السيطرة على النفط والغاز والمثال الواضح هنا تصفية شركة يوكس وكانت من أهم شركات النفط الخاصة بشكل ألحق بالمستثمرين في الشركة أكبر خسارة في "تاريخ التأميم الحديث" كما ذكرت الدراسة. هذه الحادثة تجعل من الصعب التنبؤ بسلوك الكرملين مما يثير مخاوف المستثمرين الأجانب.

2- أن زيادة حضور روسيا في أسواق الطاقة سيعزز قدراتها الاستراتيجية على الساحة الدولية وتستثمر هذا الحضور في تحقيق مكاسب استراتيجية في علاقاتها الدولية حيث إن الكرملين لم يعد ينظر للنفط والغاز مجرد سلع للحصول على عملة صعبة بل أدوات إستراتيجية. ومن ثم فان زيادة الاستثمارات الغربية في قطاع النفط والغاز الروسي تعني استثمارا غربيا في نمو المكانة الاستراتيجية الروسية.

3- أن قطع إمدادات الغاز الروسي عن أوكرانيا يعد مؤشرا على استعداد موسكو لاستخدام مواردها لزغراض سياسية سواء تجاه جيرانها أو بقية الدول المستهلكة مما يضعف الثقة في الاعتماد عليها مصدراً بديلاً للطاقة.

4- أن زيادة عوائد النفط والغاز الروسية والتي تصل اليوم إلى نصف مواردها المالية سيضعف القدرة على التأثير على موسكو.

5- أن زيادة نصيب روسيا في أسواق الطاقة الدولية واستثمار ذلك في دعم الدولة الروسية سينعكس سلباً على مسيرة الديمقراطية في روسيا وفي الدول المجاورة مما قد يهدد الاستقرار.

6- استمرار مخاطر الاستثمار في قطاع النفط والغاز حيث تتحكم البيروقراطية الروسية وتضعف الشفافية ويستمر الفساد الإداري والمالي.

wnamlah@yahoo.com