ولا أدري كيف غاب عن الدكتورة بنت الشاطئ وهي العالمة المثقفة الأديبة الواعية أن بكاء الخنساء أخويها لأنهما ماتا على الجاهلية. أما عدم بكائها لأبنائها الأربعة فلأنهم استشهدوا في سبيل الله مجاهدين دفاعاً عن الإسلام، فكيف تبكيهم شعراً وقد شرّفهم الله بالشهادة؟ وكانت هي التي تدفعهم إليها وتشجعهم على القتال

وإذا كان الشعراء بصفة عامة قد وظّفوا أشعارهم في أغراض عديدة من مجالات الحياة ومن بينها الرثاء، فإنّ الشاعرة تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السلمي الملقبة بالخنساء قد تفردت بالرثاء حتى صار هذا اللون من القول طابعاً مميزاً لشعرها وسمِة واضحة من سماتها حتى إنّ ديوانها لا يضم سوى الرثاء.. وهي تنتمي إلى قبيلة سُليم المعروفة وأبوها يتبوأ مكان الصدارة في هذه القبيلة فقد كان بما له من مكانة يَفِد على كسرى في العهد الجاهلي وكان في هذا العهد عندما تشهد المواسمَ جموعٌ كثيرةٌ من العرب فإنه يأخذ بيدي ابنيه معاوية وصخر يفاخر بهما قائلاً: أنا أبو خيريء مضر، فتعترف له العرب بذلك.

ولما أشرقت شمس الإسلام في جزيرة العرب كانت قبيلة سُليم سبّاقة إلى الإسلام في نحو السنة الثامنة للهجرة النبوية.. وقد أسلمتء الخنساء مع قومها وحسن إسلامها وكان لها شرف اللقاء بالرسول صلى الله عليه وسلم: "وقد لقيها الرسول بكثير من الرفق واستنشدها شعرها في صخر فراحت تُنشده وهو يصغي إليها بقلبه الكبير ويستزيدها قائلاً: "هيه يا خُناس ويومئ بيده"(1).. وبذلك اللقاء فإنها تُعتبر صحابية وهو شرف لمن أسعده الله بتلك الصحبة النبوية الكريمة، وقوله صلى الله عليه وسلم: يا خُناس كلمة تحمل في مدلولها صيغة تدليل للقب الخنساء، وتلك لفتة كريمة من نبي كريم الخلق قال الله عنه: {وإنك لعلى خلق عظيم}.


وقد وضعها ابن سلاّم بين طبقات الشعراء الكبار في كتابه: (طبقات فحول الشعراء). وهذا التفرد الذي اختصت به شاعرتنا في مجال الرثاء لفت إليها بعض المستشرقين، فقد قام المستشرق الفرنسي دي كوبيه بترجمة ديوانها إلى الفرنسية عام 1889م كما قدّم المستشرق الايطالي غبريالي دراسة بالايطالية عن حياتها وشعرها، وكذلك فعل المستشرق الألماني رودو كاناكيس، فقد أعدّ بحثاً عنها وعن مراثيها.. وكانت شهرتها بما برزت فيه من فنون الشعر في فن الرثاء فقد تميزّت برقة العاطفة وسمو المشاعر وروعة التصوير في ابراز جسامة المأساة وحدّة المعاناة، فكان إبداعها في شعر الرثاء الذي كان أهمَّ ما برزت فيه وأجادته، وفيه تألّقت حين تعمل على تجسيم أحزانها فهي تختزن في ذاتها وهجاً من عواطف ملتهبة ومشاعر مكبوتة تنطلق مع التعبير الذاتي عن المواجع الإنسانية، فالرثاء إنما يصدر عن روح فياضة بالشجن مشحونة بالألم، والخنساء كذلك. مما جعلها في مقدمة شعراء المراثي.


وقد كان أكثر مراثيها في أخيها صخر ويعود الإكثار من رثائها له خاصة إلى مواقفه الرائعة وصلاته الحميمة بأخته وبرّه بها وعطفه عليها وإيثارها بما لديه من مال على نفسه وأهله. مما عمّق محبته في قلبها ومكّن لهذه المحبة من أن تسود فؤادها، والإحسان قيدُ وفاءٍ للنفوس الحرة، ومَن وجد الاحسان قيداً تقيّدا، وكذلك كانت الخنساء مع أخيها صخر، فقد تجاوز في كرمه معها إلى ما هو أكثر من حدود صلة الرحم حيث بلغت صلته بأخته ورعايته لها وحنوّه عليها ومواساتها ما لا يقدر عليه سوى من استطاع أن يفعل مثل ما فعل، ومن إكرامه لها وتقديرها ما ذكرته في هذا المجال: انها تزوجت برجل من عشيرتها متلاف للمال فأنفق ماله كله حتى لم يعد يملك شيئاً فأشارت عليه بأن يذهبا إلى أخيها صخر، فقسم ماله شطرين وأعطاهما خيريء الشطرين، فلما عاتبته زوجته قائلة: أما يكفي أن أعطيتهما شطر مالك حتى تعطيهما خيريء الشطرين لم يلتفت إلى كلامها، وحين عادت أخته إليه مع زوجها مرتين بعد ذلك كان يفعل مثل ما فعل في المرة الأولى يشاطرهما ماله ويخصهما بأفضله، ولو امتد به العمر واستزادته عدة مرات لاستمر في عطائه لها في غير مَنّ منه ولا ضيق بطلباتها. بل إنه ليخصها بأفضل ما يملك ويخيّرها وزوجها لاختيار الأفضل. لذلك حملت له في نفسها هذا الجميل في حياته وبعد مماته، مما اقتضاها الوفاءُ له التنويه بذكره والبكاءَ على فقده، فقد طوّق عنقها ورفع رأسها لدى قومها بهذا الإيثار الذي يندر وجوده. مما جعلها لا تمل من مواصلة رثائه ولا تنسى ذكراه طيلة حياتها، فرفعت ذكره في دنياها وخلّدت اسمه في ديوان الرثاء العربي.


وإلى جانب رثائها الواسع لأخيها صخر فقد رثت قبله أخاها معاوية الذي قُتل قبل صخر، وإنما تميّز رثاؤها بكثرته لأن مصيبة فَقءد الأخوين معاً فجّر في أعماقها نهراً من الحزن، ومن ذلك قولها في أخويها:

مَنء حَسَّ لي الأخوين كالغصنين أو مَنء رآهما(2)

أخوين كالصقرين لم يرَ ناظر شَرواهما(3)

وقولها كذلك فيهما:

فلا يُبعدنّ الله صخراً وعهده

ولا يبعدن الله ربي معاويا

وتُصوّر أخاها صخراً وسط نجوم العشيرة في هذا البيت الجميل:

كنا كأنجم ليل وسطها قمر

يجلو الدجَى، فهوى من بيننا القمر

وكانت فاجعة صخر قد جدّدت فاجعتها في معاوية ففجرت شجونها وأسالت دموعها فكانت بكائياتها في قصائدها التي تُكثر فيها من تعداد مآثر أخيها صخر، وقد اختصته بأكثر شعرها وأغلب مراثيها وبحرارة تفجعها عليه وأساها لفقده. لمواقفه البالغة منتهى النّبل وصلة الرحم، وبهذا الرثاء المتدفق من ينبوع الحب الخالص عُرفت الخنساء واشتهرت فهي في لوعتها لفراقه تذكره في صباحها ومسائها على هذا النحو:

يذكّرني طلوع الشمس صخراً

وأذكره لكل غروب شمس

وما يبكون مثل أخي ولكنء

أُعزّي النفس عنه بالتأسي

فهي تذكره في كل أحوالها وتحاول أن تُعزّي نفسها بالصبر حين ترى الباكين حولها على فقد أعزّائهم، ولكنها مع ذلك تظل تعدّد مزاياه وكأنها تُعرّف بمكانته وما يتصف به من جميل السجايا وحميد الصفات. مما أهّله لأن يحتل بين قومه مكانة متميزة، فتعلن مواقفه الرائعة وأفعاله الشامخة من شجاعة وسخاء ورجولة ووفاء وحفظ للجار وصيانة للشرف، وسيادته بتلك الخصال التي لا تتوافر إلاّ في النادر من الرجال:

وإنّ صخراً لوالينا وسيدنا

وإن صخراً إذا نشتو لنحار(4)

وإنّ صخراً لمقدام إذا ركبوا

وإن صخراً إذا جاعوا لعقّار(5)

حمّال ألوية هباط أودية

شهّاد أندية للجيش جرار

نحار راغية(6) قتال طاغية

فكّاك عانية للعظم جبّار

لم ترَه جارة يمشي بساحتها

لريبة حين يُخلي داره الجار

وتُكثر من تعداد فضائله وصفاته الجميلة، وتستثير عينيها للبكاء عليه فهو من بُناة الأمجاد، وقد برز في مجتمعه بعشقه للمجد وكذلك كان يفعل في حياته:

أعينيَّ جودا ولا تجمدا

ألا تبكيان لصخر الندى

ألا تبكيان الجريء الجميل

ألا تبكيان الفتى السيدا

طويل النجاد رفيع العما

د ساد عشيرته أمردا

إذا القوم مدّوا بأيديهم

إلى المجد مدّ إليه يدا

فنال الذي فوق أيديهم

من المجد ثم مضى مُصعدا

يكلّفه القوم ما عالَهم

وإن كان أصغرَهم مولدا

ترى المجد يهوي إلى بيته

يرى أفضل الكسب أن يُحمدا

وإنء ذُكر المجد ألفيته

تأزّر بالمجد ثم ارتدى

وهي تنثر مفرداتها كالسبائك الذهبية التي تنسج منها أوصافاً ترى أن أخاها مؤهل لها في ألفاظ متألقة متناسقة متماسكة على النحو التالي:

المجد حُلّته والجود علّته

والصّدق حوزته إن قرنه هابا(7)

خطّاب محفلة فراج مَظلمة

إن هاب معضلة أتى لها بابا

فهو إلى جانب سخائه وإقدامه بليغ إنء خطب في محفل وحكيم في مواجهة أي معضلة يجد لها المخرج المناسب. مما جعله يسود في قومه وهو في نضارة العمر، ولعل من أروع الأبيات التي صورتء فيها خُلقه العالي وسلوكه الرفيع: البيت السالف الذي تقول فيه:

لم تره جارة يمشى بساحتها

لريبة حين يُخلي داره الجار

فهو يحفظ للجار حقه ويرعى شرف الجوار ويسمو بنظره عن التطلع إلى جارته أو سواها من الحرائر الكريمات، فهو يتسامى في نظرته إلى المكارم الخلقية، وبذلك ارتفع في سلوكياته وبين قومه.

وقد كتب الأستاذ فاروق شوشة في مجلة العربي(8) تحت عنوان: (الشاعرة التي بكت أخويها ولم تبكِ أبناءها الأربعة!) أشار فيما كتب إلى بكائها على أخويها وعدم بكائها على أبنائها الأربعة مشيراً إلى تعجّب الدكتورة بنت الشاطئ من رثائها لأخويها دون أبنائها ووصءفها ذلك بأنه: "انحراف في طبيعة تماضر جعل عاطفة الأخوّة فيها تطغى على عاطفة الأمومة التي هي جوهر الأنوثة"..

وانتهى الكاتب في هذا المضمون إلى أنه "بقي لنا بكاء الخنساء ورثاؤها لأخوءيها. أما صمتها الشعري عن استشهاد أبنائها الأربعة فقد دخل في عداد المسكوت عنه في شعرنا العربي".. وقد اكتفى الكاتب في هذا المجال بذكر ما نوّه عنه د.محمد حَمّود في بحثه عن الخنساء الذي رأى: "في موقف بنت الشاطئ كثيراً من المبالغة"(9).

ولا أدري كيف غاب عن الدكتورة بنت الشاطئ وهي العالمة المثقفة الأديبة الواعية أن بكاء الخنساء أخويها لأنهما ماتا على الجاهلية. أما عدم بكائها لأبنائها الأربعة فلأنهم استشهدوا في سبيل الله مجاهدين دفاعاً عن الإسلام، فكيف تبكيهم شعراً وقد شرّفهم الله بالشهادة؟ وكانت هي التي تدفعهم إليها وتشجعهم على القتال.

ومثل موقف بنت الشاطئ ما أشار إليه الأستاذ فاروق شوشة وهو الشاعر المدرك والأديب الواعي الذي فسر موقف الشاعرة الخنساء بصمتها الشعري في استشهاد أبنائها بأن ذلك على حد تعبيره "في عداد المسكوت عنه في شعرنا العربي".. وكأنه يرى أنّ موت أخويها في منازعات جاهلية كاستشهاد أبنائها في معركة شريفة، ولم يتنبه الدكتور حمّود كذلك في تعليقه على كلام بنت الشاطئ من تصوّرها غير الواقعي لموقف الخنساء من رثائها لأخويها وعدم رثائها لابنائها بأنه على حد تعبيرها: انحراف في طبيعة الأمومة عندها، فقد اكتفى بقوله: إنه كلام فيه الكثير من المبالغة، ولم يصل إلى جوهر الحقيقة وهو أن رثاءها لأخويها لموتهما قبل إسلامهما هو الذي فجّر في داخلها هذه الحسرة التي نلمسها في رثائهما. أما أبناؤها الأربعة فقد ماتوا أشرف ميتة وأعلاها مكانة، وهي التي كانت تقودهم إلى ساحة الاستشهاد وقد احتسبتهم عند الله فكيف تأسىَ لموتهم وتجزع لفراقهم وهم شهداء.. بل لعلها تتصور أن رثاءها لهم قد يقلل من قيمة استشهادهم ويُنقص من احتسابها فيهم.

وقد نقل الدكتور حمّود في كتابه عنها(10): أنه كان لها أربعة بنين سارت معهم لفتح فارس وحضرت وقعة القادسية سنة 16للهجرة وقد أوصتهم من أول الليل: يا بنيّ إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتهم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو: إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة. ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجّنت حَسبكم ولا غيّرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية يقول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}(11).. وقد قُتل أولادها الأربعة في تلك المعركة فلما بلغها الخبر لم تجزع ولم تهلع وإنما تقبلتء استشهادهم بقولها: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته..

أمٌ هذه وصيتها لأبنائها بالاقبال على القتال والتفاني في لقاء العدو، واستقبالها خبر استشهادهم جميعاً بالحمد لله الذي شرفها بموتهم على هذه الصورة الرائعة المشرفة فهل تأسى على استشهادهم فترثيهم؟ وهل هناك ما هو أشرف من ميتة مسلم تحت راية الإسلام سعيداً بالاستشهاد؟ إنّ الشهادة في سبيل الله غاية نبيلة يسعى إليها كل مَنء ملأ اليقين قلبه وأضاء الايمان بصيرته، وإذا كان ذلك واقعاً مشهوداً في سلوك المؤمنين والمؤمنات منذ فجر الإسلام حتى عصرنا هذا، فهل يكون التعجب من عدم رثاء الخنساء لأبنائها لاستشهادهم؟ أم يكون الإعجاب بعدم رثائها لهم لأنهم ماتوا شهداء؟!

الهوامش:

(1) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر.

(2) حَسَّ: ادرك.

(3) شرءواهما: مثلهما.

(4)، (5) نحّار وعقّار: كناية عن الكرم.

(6) الراغية: الناقة.

(7) القِرن: النظير.

(8) العدد (520) لشهر ذي الحجة 1422هـ، الموافق لشهر مارس 2002م.

(9) الخنساء شاعرة الرثاء.

(10) الخنساء شاعرة الرثاء.

(11) أنيس الجلس