قامة كعبدالعزيز التويجري، رحمه الله، تستعصي على البيان والتأبين!

خرّيج مدرسة الحياة.. جمعته حكمة الحياة بأبي الطيب المتنبي، فتبع خطاه بتمهّل ابن الصحراء، وتمثّله تمثّل العروبيّ الرصين، لا "بين اليمامة والدهناء" فحسب، ولكن بين كل خلجات العروبة في عصر الانكسارات الطويل؛ إذ وجد أبو عبدالمحسن في أبي محسّد شقيقًا روحيًّا، يجمع بُعدي العسكرية والثقافة في إهاب واحد، مع الطموح الوثّاب إلى غدٍ عربيّ يليق بالساري. فلقد عرك الحياة، ليلها ودُجاها، فحَمِد السُّرَى، وهتف للصباح. و"لليل" و"الصباح" في قاموس الرجل الوجداني حكاية تتردّد أصداؤها من خلال كتابيه: "عند الصباح حَمِد القوم السرى"، و"لسراة الليل هتف الصباح"، لتستحيل هاتان المفردتان في إنتاج التويجري إلى رمزين وجوديين، جاءا عصارة تجربته العصاميّة من جبهة الدفاع عن الوطن إلى وكالة الحرس الوطني، وصولاً إلى حراسة الوطن الثقافي. حتى جاءت خلاصة الرحلة وصايا إلى ولده، بعرض البلاد وطولها، في: "رسائل إلى ولدي.. حتى لا يصيبنا الدوار".

ولئن لم أكن - شخصيًّا - من مجايليه، فأنا من أولاده، المرسلة إليهم وصاياه. فرجل كهذا يقتحم الأجيال، والتصنيفات، ومعايير التراتبيّات الثقافيّة، ليصلك صوته أنى كُنت، صوت الصدق والأصالة والجذور، تهوي إليه أفئدة المثقفين من كل المشارب والأعمار والأقطار. ولذلك فإن من يرصد الحركة الثقافية في المملكة لن يتخطّاه - مهما خالفه الاتجاه أو الرأي - حتى يفيه حقّه، بل من يرصد حركة الثقافة العربيّة المعاصرة لن يملك إلا أن يسجّل له مكانته المهمّة. كيف لا، وكثيرون إنما تعرّفوا على ثقافة المملكة بجاذبيّة الشيخ عبدالعزيز التويجري، بل إنما زاروها لأول مرة بدعوة شخصيّة منه، كما يسجّل له الروائي الطيب صالح - على سبيل المثال - في روايته "منسي إنسان نادر على طريقته"، حيث يقول: "أوّل مرّة زرتُ الرياض بدعوة من الشيخ عبدالعزيز..." (ط. رياض الريس، ص184). تُرى إذن كم مُثَقّف عربي جاءت أوّل زيارة له إلى المملكة - واقعيًّا أو فكريًّا - بإيماءة من الشيخ عبدالعزيز، ولاسيما بعد تأسيس سوق الجنادرية الثقافي؟ لا بدّ أنهم كثر، فالتويجري إنسان نادر على طريقته، وإن لم يكن منسيًّا بحال من الأحوال، ولن يكون!

@ عضو مجلس الشورى - أستاذ النقد الحديث بجامعة الملك سعود