مقابل كل نبي ورسول يُوحى إليه يوجد آلاف الكذابين والدجالين وأدعياء النبوة.. وهذه المقارنة لوحدها تثبت الشعبية التاريخية لهذه الظاهرة كون عدد الُرسل الذين بعثهم الله كبيرا في الأصل (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) (وإِن من أمة إلا خلا فيهَا نذير)!!.

.. ولكن؛ رغم كثرة المدعين والدجالين قليل منهم من انعطف بالتاريخ أو حقق امتدادا حضاريا أو جغرافيا مهماً.. وهذه الفئة القليلة - كما أفترض - هي المعنية بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى ينبعث دجالون كذابون قريبا من الثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله (رواه مسلم).

والعجيب أن هذه الظاهرة عرفت في جزيرة العرب حتى قبل ظهور خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ففي كتاب مروج الذهب يسرد المسعودي قائمة بمدعين ظهروا قبل بعثته في مكة ، فهناك مثلا:

@ خالد بن سنان العبسي (الذي سبق أن كتبت عنه مقالا رجحت نبوته)..

@ وأمية بن الصلت.

@ وقس بن ساعدة الإيادي.

@ وبحيرا الراهب.

@ وعمرو بن نفيل.

@ وورقة بن نوفل.. (وغيرهم كثير)

.. وحتى خلال حياة الرسول نفسه - ثم بعد وفاته مباشرة - ظهر أدعياء نبوة في العديد من القبائل العربية.. فهناك مثلا مسيلمة الكذاب الذي بعث للنبي كتاباً يقترح فيه "مناصفة الأرض" بين قريش واليمامة.. والأسود العنسي الذي جاهر بدعوته في اليمن قبل وفاة النبي الكريم.. وطليحة بن خويلد الذي ظهر في بني أسد.. وسجاح بنت الحارث التميمي شاعرة بني تغلب الفاتنة.

وفي العهد الأموي والعباسي تفاقم الأمر - وتحول لطبع سياسي - لدرجة سئم الخلفاء من كثرتهم فأمروا عمالهم ورجال الشرطة لديهم بقتلهم "بلا محاكمة" ( وقليل من نجا منهم مثل رسول الشعراء أبو الطيب.. المتنبئ)!!

وبدل أن تخف الظاهرة في العصر الحديث تفاقمت وانتشرت بشكل خطير - خصوصا تحت دعوى المهدي المنتظر.. ففي نهاية القرن ال 13الهجري ظهر في السودان "محمد بن عبد الله" الذي كان له تأثير كبير على أتباعه (وأيضا على الاحتلال البريطاني في ذلك الوقت).. وفي نفس الوقت تقريبا ظهر في المغرب من يدعي أنه ال "مهدي" المنتظر ويحمل أيضا اسم "محمد بن عبد الله" وازدهرت دعواه لتسع سنوات.. وعند نهاية القرن الرابع عشر الهجري اقتحمت مجموعة مسلحة بيت الله الحرام وسفكت دماء الزوار والمصلين تحت دعوى "المهدي المنتظر".. وفي عقد الثمانينات ادعى "محمود محمد طه" رئيس الحزب الجمهوري بالسودان أنه نبي مرسل وأن رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم( لم تعد صالحة لهذا الزمان - وحكمت عليه المحكمة الشرعية بالخرطوم عام 1986بأنه مرتد مارق من الدين !

.. ومن الملاحظات الغريبة أن ادعاءات النبوة تكثر - هذه الأيام - في بلدان معينة وتكاد تختفي تماما في بلدان أخرى . ففي باكستان مثلا يكاد يظهر مدعي نبوة جديد كل شهر تقريبا.. وفي العراق ظهر أكثر من 23مدعياً بين حربي الخليج الأولى والثانية فقط.. وفي لبنان ظهر بين الدروز 6حالات في المناطق التي تحتلها إسرائيل فقط.. في مصر والسودان والجزائر تفاجئنا الصحف بين الحين والآخر بالقبض على مدعي نبوة جديد أو مهدي منتظر (بل وحتى في أمريكا نفسها ظهر بين الجالية الإسلامية أربعة أشخاص منذ عام 2000ادعوا النبوة وتمتعوا بحماية قانون حفظ الحريات الدينية).

.. ولأن ادعاء النبوة ظاهرة تاريخية متواصلة - عرفت في كافة المجتمعات والديانات - لا أتوقع تراجعها أو توقفها مستقبلا؛ فهي ليست فقط جزءاً من الحراك الديني بل و"حالة إنسانية" يقف خلفها الطمع السياسي والتسيد الاجتماعي وكسب الولاء المطلق (.. ناهيك عن اضطراب العقل، وانفصام الشخصية ، وإيحاء الشيطان زخرف القول غرورا)!.