تظل عيون واحة الأحساء الخضراء في ذاكرة أهلها وزوارها الذين كانوا يأتون إليها من كل مكان للاستمتاع بمياهها العذبة والحارة للتنزه والعلاج، وقضاء أجمل الأوقات في أجواء تأسر العقل وتريح النفس، واشتهرت الأحساء ومنذ فجر التاريخ بينابيعها وعيونها المنتشرة في مختلف مدن وقرى وحتى هجر الأحساء.. ومن هذه الينابيع وتلك العيون تكونت ثروة الأحساء المائية التي حولت المنطقة إلى واحة غناء كما أشار إليها العديد من الرحالة في كتبهم التاريخية.. أمثال الرحالة الدنماركي باركلي، والباحث الدكتور فيدال، وعبدالله فلبي، وأمين الريحاني، وشكسبير، إضافة إلى ما سجله المبدعون من الشعراء من وصف لبعض ينابيع المياه أو العيون الفوارة..

يقول الشاعر يوسف أبو سعد - رحمه الله -:

عين الخدود انا حبيبك دائما

لم انس طيفك يا رؤى أحلامي

لم انس في شاطيك زهرا ناديا

وربا تضوع بعاطر الانسام

ويقول الشيخ محمد بن عبدالله العبدالقادر - رحمه الله -:

رعى الله يوما قد طوينا نهاره

بكثبان رمل زينتها الجداول

تجد عليها دائما ام سبعة

بماء كبلور جلته الصيا قل

أما الشيخ عبدالعزيز بن حمد المبارك فيقول:

يباكرها طوراوطورا يراوح

فيوما على شاطئ الخدود مقيله

ولقد ابدع بعض التشكيليين في تقديم لوحات عديدة تجسد جماليات ينابيع وعيون الاحساء، كما فعل كاتب السطور في لوحاته عن عين أم سبعة، وعين الحارة، وعين نجم، وعين منصور..

العشق اليومي

الساعة تشير إلى منتصف النهار كانت الشمس مشرقة أشعتها تنعكس على مياه عين أم سبعة شمال مدينة المبرز بالأحساء شرق المملكة، وبعض عشاق السباحة اليومية مازالوا يمارسون عشقهم اليومي.. ذهبت التقط بعض الصور من هنا وهناك.. عندها خرج مواطنان من عشاق السباحة والاستحمام اليومي في مياه هذه العين الشهيرة، وبعد السلام والتحية، سألت المواطن عبدرب الرسول القميش ( 60عاماً) عن عين أم سبعة وكيف كانت في الماضي وكيف أصبحت، فقال لقد كانت هذه العين فيما مضى من زمن ذات شهرة كبيرة نظرا لوجود 7أنهر تنساب منها في مختلف الاتجاهات، وعندما جاء مشروع الري والصرف الذي ربط مياه العيون من خلال قنوات الري والخزانات الرئيسية، سارت الأمور طبيعية، إلا أن المياه في العيون تراجعت، بل ان العديد منها قد أصيب بالجفاف، مما دفع بالمسئولين في الري والصرف بتركيب بممئات المضخات الضخمة بعضها بجوار العيون الرئيسية أم اسبعة .. الحيورات .. عين منصور .. الحارة.. الجوهرية.. الخدود وغيرها، فساعدت هذه الطريقة لعودة المياه في العيون.

وأضاف: ان عيون الأحساء التي كانت فوارة وتصل مياهها طبيعية إلى جميع الحقول والبساتين في الماضي باتت الآن تعتمد على المضخات، مشيراً إلى أنه عاصر هذه العين عندما كانت حواليها أراض فضاء تقام فيها احتفالات الزواج، واليوم باتت مزارع مسورة..

أما رفيقه المواطن علي الخليف، فيقول عن عيون الأحساء: لقد كانت عيون الأحساء قبل ثلاثة عقود وأكثر تخرج من الأرض طبيعية وتنساب في أنهر متعددة مثل أنهر عين أم منصور، وعين الحارة، وعين الخدود، والجوهرية، وعين برابر، وعين الحويرات. أما اليوم (مثل ما تشوف) المضخات هي التي تسحب الماء من أعماق الأرض، والحمد لله أن الدولة لم تقصر في سبيل توفير المياه وبهذا الكم الهائل.. المهم أن المياه متوفرة، مشيراً إلى أنه تعود على السباحة بين فترة وأخرى في هذه العين أو عين الحارة، موضحاً أن أبناء الأحساء خاصة محدودي الدخل تعودوا على الاستحمام والسباحة في عيون المياه بعضهم يومياً يرتادونها، أما الميسورون والذين يملكون مزارع أو بساتين فهم يمارسون ذلك في مزارعهم وبساتينهم الخاصة..

عين نجم

وأنا في طريقي لموقع آخر خلال جولة "الرياض" على عيون الأحساء تذكرت ما كان قد كتبه المؤرخ والباحث المهندس خالد أحمد المغلوث مؤلف كتاب عين نجم، حين تحدث عن عين نجم بالمبرز، وكان لها شرف تواجد المؤسس الملك عبدالعزيز (طيب الله ثراه) في ربوعها عدة أيام، حيث ذكر في كتابه عن عين نجم الكثير من الجوانب التاريخية المتعلقة بما سجله التاريخ عن هذه العين والتي سميت بعين نجم نسبة إلى موقع سقوط نيزك كما هو شائع عند الأهالي، وكما يذكر ذلك عبدالله فلبي.

ويضيف المهندس خالد: لا يمكن الاطمئنان لهذه التسمية لافتقارها إلى نصوص موثقة وثابتة النسبة والجزم، حيث إن هناك أماكن أخرى في الأحساء تسمى نجم، مثل منطقة نجم، ودروازة نجم بالمبرز، لذلك ربما تعود إلى اسم الشخص الذي حفرها في القرن الحادي عشر واسمه نجم، حيث يرجح بعض الأهالي ان هذا الرجل اسمه نجم بن عبيد الله بن غرير بن عثمان الخالدي. موضحاً أن كل التعليلات في تسمية هذه العين بعين نجم جائزة ومقبولة فماؤها يجري بصفاء شديد الحرارة وكبريتي حتى لا يمكن الغوص في أعماقها لشدة حرارته آنذاك.

ويذكر أن ماء عين نجم كان غزيراً ووفيراً في السابق، وكانت تسقي بساتين العين ونخيل مناطق أخرى مجاورة، حيث ذكر أمين الريحاني في كتابه (تاريخ نجد) عن عين نجم واصفاً ماءها قائلاً: (وفي الحساء قرب الهفوف عيون معدنية متنوعة ماؤها حار بارد أهمها عين نجم قرب المبرز التي يتغنى الشعراء بمائها العجيب مائها المعدني الحار..)، وكذلك ما أشار إليه المهندس المغلوث في كتابه عن عين نجم بقوله: إنه في عام 1308ه نزل الإمام عبدالرحمن الفيصل آل سعود (رحمه الله) في عين نجم عندما جاء إلى الأحساء، وكان من الذين رافقوه ابنه الملك عبدالعزيز والذي كان آنذاك في الثانية عشرة، وفي عام 1331ه وقبيل فتح الأحساء وصل الملك عبدالعزيز إلى عين نجم وأناخ ركابه مع اخوانه وأبناء عمومته من آل سعود، وأقاموا فيها، وأخذ (رحمه الله) يرتب الأمور ويجهز قوته للهجوم على العثمانيين استعداداً لفتح الأحساء..

وفي عام 1365ه يأمر الملك عبدالعزيز حين زيارته للأحساء بإعمار عين نجم وادخال بعض الاصلاحات الأساسية لمرافق العين..

وقد حظيت عين نجم بأشعار عديدة فقال الشيخ الجليل أبوبكر الملا (رحمه الله):

يا عين نجم فقت ابار الحسا

بحرارة وبخار ماء يصعد

زنت البلاد لان فيك دلالة

عظمى على توحيد رب يعبد

والجميل أن ينابيع وعيون الاحساء كانت وراء ازدهار الحياة الاجتماعية فيما مضى من زمن وحتى اليوم، بل إن التنمية الزراعية في الأحساء اعتمدت كثيراً على الثروة المائية التي تختزنها أرض الأحساء، فكان مشروع الري والصرف الذي افتتحه الملك فيصل (رحمه الله) في التسعينات الهجرية والذي استفادت منه مساحات كبيرة تقدر ب 16000هكتار من الأراضي الزراعية التي وظفها مشروع الري والصرف، والذي يتألف من أقنية تجميع رئيسية وثانوية وفرعية مجموع أطوالها 1500كم و1500كم من أقنية الصرف، وثلاثة خزانات تتسع ل(38.000) متر مكعب من المياه، ولا شك أن الأحساء اليوم ومع اعتمادها على ثروتها من المياه تضاعفت ثروتها من النخيل عشرات المرات خلال السنوات الأخيرة مع تضاعف الاهتمام بالتنمية الزراعية وانتشار المزارع والمشاريع الزراعية في كل مكان من واحة الأحساء.

تكاليف باهظة

ومع هذا هناك معاناة لا يمكن تجاهلها أو نسيانها ونحن نقوم بجولتنا في ربوع الأحساء وبين ينابيعها وعيونها الكثر، وهي التكاليف الباهظة التي يتكبدها المزارعون نتيجة لركضهم الدائم وراء المياه بعد انخفاض منسوبها بصورة مستمرة.. فالاف من المزارعين خسروا الكثير الكثير من الأموال في تجديد مضخات مزارعهم وبساتينهم التي عادة ما تتعرض للتلف نتيجة لسحب المياه بصورة مستمرة، ولبعد منسوب المياه عن سطح الأرض، خاصة الآبار العميقة، كما هي الحال في مزارع طريق قطر، والمعاناة تتضاعف مع وجود قروض زراعية وتكاليف العمالة وتراجع أسعار المنتوجات الزراعية ومنافسة المنتوجات المستوردة للإنتاج المحلي.. ومع هذا ورغم هذا فالمزارعون ليس لهم إلا الاستمرار في زراعتهم، وبذل الجهد في ظل تفاؤل وأمل في التخفيف من أسعار استهلاك الكهرباء، ففواتير بعض المزارع (تقصم الظهر) كما قال ل"الرياض" أكثر من مزارع.

أسعار مرتفعة

وخلال جولة "الرياض" تنقلنا بين مواقع عديدة من واحة الأحساء لمشاهدة عيون المياه، خصوصاً العيون الشهيرة مثل عين الحارة والتي باتت وسط مدينة المبرز، وعين أم سبعة شمال المبرز، وكذلك عين الحيورات وعين نجم غرب الواحة، وفي الجزء الشرقي من مدينة الهفوف كانت هناك عيون أخرى الخدود والجوهرية، حيث أشار الباحث الأمريكي الدكتور (فيدال) إلى أسماء 120عيناً تقع جميعها بين نخيل الأحساء في الشمال والجنوب والشرق والغرب، واعتاد أبناء الأحساء ومنذ القدم على أن تكون هذه العيون ملتقى أيام الأعياد والمناسبات الاجتماعية كالزواج وحتى الحفلات الأسرية الخاصة، فمثلاً توجد في عين أم سبعة في الماضي استراحات للتأجير تشتمل على غرف خاصة، إضافة إلى مجرى من الماء الرقراق الذي يشبه البركة الكبيرة.

ولعيون المياه لدى أهالي الأحساء مكانة خاصة، بل حتى أبناء الخليج يشاركونهم هذه المكانة، فأنت تجد الكثير من أبناء قطر والكويت وحتى البحرين ومنذ سنوات يمتلكون مزارع وبساتين نخيل بجوار هذه العيون، حيث توجد فيها استراحاتهم وقصورهم التي يترددون عليها بين فترة وأخرى، فهناك أسر معروفة في هذه الدول الشقيقة يمتلكون العديد من المزارع، بل هناك من لديه أوقاف توارثها أباً عن جد.. هذه المكانة لم تتغير جيلاً بعد جيل، بل إن السنوات الأخيرة شهدت قفزة كبيرة في أسعار بساتين النخيل وسط الواحة، فمساحة صغيرة لا تتجاوز ال 2000متر مربع تصل في بعض المواقع إلى مليون وخمسمائة ألف ريال.. بل وصل سعر المتر في بعض المواقع إلى 1000ريال، ونفس الكلام ينسحب على المزارع في مناطق أخرى في الواحة.

عادات وتقاليد

وكما أشرنا إلى مكانة عيون المياه لدى أبناء الأحساء، فهذه المكانة نتيجة طبيعية لارتباط الإنسان في هذه الواحة بها ارتباطاً وثيقاً ربما يبدأ مع بداية حفل زواجه.. حيث يحتفل أفراد أسرته ومعارفه في إحدى عيون المياه الشهيرة.. أم سبعة أو الجوهرية أو أم خريسان أو الحارة أو غيرها من العيون الأخرى، فتقام احتفالية (بغسوله) وحلاقة شعره وسط مياه العين، وبعد الغسول يشرب الجميع القهوة ويتناولون الطعام، ومثلما يحصل للعريس يحصل أيضاً للفتاة العروس في كان آخر خاص بالنساء.. وسط عادات وتقاليد وطقوس.. تجعل الإنسان يتذكرها طوال أيام حياته في صورة ولا أجمل..