افتتح خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- يوم السبت 1428/3/26أعمال السنة الثالثة من الدورة الرابعة لمجلس الشورى، وألقى بهذه المناسبة الخطاب الضافي السنوي والذي لقي إشادة وترحيبا بالغين من كافة شرائح المجتمع. هذه المناسبة السنوية تؤكد بلا شك الأهمية التي توليها القيادة لمجلس الشورى وأهمية الدور المنوط به والإنجازات التي حققها والتي يسعى إلى تحقيقها. وفي المقابل تأتي هذه المناسبة كفرصة لمراجعة أداء المجلس وتقييم مهامه وسلطاته، ومدى تحقق الآمال المعقودة عليه من المواطنين.

فمبدأ الشورى يعد أحد مبادئ الحكم في الإسلام ويجسد أهم المبادئ الدستورية الإسلامية، فهو جوهر ونظام الحكم في الدولة الإسلامية، والإطار العام الذي يعتمده الحاكم لإدارة الشؤون العامة من خلال سلطات الدولة الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية.

وجاء صدور نظام مجلس الشورى في المملكة عام 1412ه كنتيجة حتمية لسعي هذه الدولة المباركة والقيادة الرشيدة في تطوير أنظمة الدولة من خلال بناء دعامة أساسية من دعائم نظام الحكم وتوسيع المشاركة الشعبية. وبعد مرور أكثر من 14سنة على بدء مجلس الشورى لأعماله ونحن في بداية أعمال السنة الثالثة في الدورة الرابعة للمجلس، لا يزال النقاش دائراً ومستمراً حول المجلس، وحول طبيعته والدور الذي يقوم به، فهل هو سلطة تشريعية على غرار ما هو موجود في دول العالم، أم أنه مجرد هيئة استشارية، أم هو مزيج بينهما؟ وما هي طبيعة العلاقة بين مجلس الشورى ومجلس الوزراء؟

في أي نظام سياسي تعد مسألة تحديد طبيعة العلاقة بين السلطات الثلاث من أهم دعائم الاستقرار في الدولة، لذا لا يخلو أي دستور في العالم من تحديد نوع هذه العلاقة وطبيعتها، ففي القانون الدستوري يعرف الدستور بأنه: - "مجموعة المبادئ الأساسية المنظمة لسلطات الدولة والمبينة لحقوق كل من الحكام والمحكومين فيها، والواضعة للأصول الرئيسية التي تنظم العلاقات بين مختلف سلطاتها العامة، أو هو موجز الإطارات التي تعمل الدولة بمقتضاها في مختلف الأمور المرتبطة بالشؤون الداخلية والخارجية" وبمقتضى ذلك يعد النظام الأساسي للحكم في المملكة دستوراً من الناحية القانونية الفنية الدقيقة.

وقد جاء في المادة (44) منه ما يلي "تتكون السلطات في الدولة من السلطة القضائية والسلطة التنفيذية والسلطة التنظيمية - التشريعية -، وتتعاون هذه السلطات في أداء وظائفها وفقاً لهذا النظام وغيره من الأنظمة، والملك هو مرجع هذه السلطات" وجاء في المادة (67) ما نصه " تختص السلطة التنظيمية بوضع الأنظمة واللوائح فيما يحقق المصلحة أو يرفع المفسدة في شؤون الدولة وفقاً لقواعد الشريعة الإسلامية، وتمارس اختصاصاتها وفقاً لهذا النظام ونظامي مجلس الوزراء ومجلس الشورى" ويفهم من منطوق المادة أن النظام الأساسي للحكم قد جعل ممارسة اختصاصات السلطة التشريعية (التنظيمية) منقسمة بين مجلس الوزراء ومجلس الشورى، وهو وضع لا يتناسب مع ظروف المرحلة الحالية واستحقاقاتها. ففي بدء عمل مجلس الشورى كان ذلك مقبولاً لحداثة التجربة، ومحدودية الصلاحيات الممنوحة للمجلس وقلة عدد أعضائه (في بداية تأسيس المجلس كان عددهم 60عضواً ومع بدء الدورة الرابعة الحالية ارتفع العدد ليصل إلى 150عضواً) أما الآن وبعد مرور ثلاث دورات و 14سنة من العمل، وصلنا إلى مرحلة يمكن أن نعتبرها بالنضج التشريعي لدى المجلس، لذا حان الوقت لوضع الأمور في نصابها الطبيعي والمقصود بذلك انفراد مجلس الشورى بأعمال ومهام السلطة التشريعية حتى لو كان جميع أعضائه معينين، فاستمرار مجلس الوزراء في ممارسه اختصاصات تشريعية لا ينسجم مع ممارسة اختصاصاته كسلطة تنفيذية، فلا يوجد في اغلب دول العالم مجلس أو هيئة واحدة تمارس اختصاصات السلطتين التشريعية والتنفيذية معاً، وإلا كيف يمكن له أن يمارس الرقابة على نفسه، خاصة إذا علمنا أن أهم مهام السلطة التشريعية هي مراقبة أداء السلطة التنفيذية (الحكومة) ومحاسبتها. لذا كثر المطالبون حتى من بين أعضاء مجلس الشورى أنفسهم بضرورة فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية ولو بشكل مرحلي، وهذه المطالبة جاءت كنتيجة لطبيعة العلاقة والتداخل بين مجلس الوزراء ومجلس الشورى، وحالة عدم الرضا الكافي من المواطنين من عمل المجلس نتيجة لدوره الاستشاري المقتصر على إبداء الآراء والتوصيات دون أن يمتلك الصلاحية في البت أو إصدار القرارات. فالمادة (15) من نظام مجلس الشورى حددت اختصاصات المجلس على النحو التالي "يبدي مجلس الشورى الرأي في السياسات العامة للدولة التي تحال إليه من رئيس مجلس الوزراء، وله على وجه الخصوص ما يلي:

أ - مناقشة الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإبداء الرأي نحوها.

ب - دراسة الأنظمة واللوائح، والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية، والامتيازات، واقتراح ما يراه بشأنها.

ج - تفسير الأنظمة.

د - مناقشة التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات، والأجهزة الحكومية الأخرى، واقتراح ما يراه حيالها".

لذا يلاحظ من صياغة المادة أنها بدأت بعبارة (يبدي مجلس الشورى الرأي) بمعنى أن المجلس لا يملك صلاحية اتخاذ قرارات أو البت في قضايا بشكل نهائي، بل مجرد إبداء رأي. لذا وتماشياً مع مسيرة الإصلاحات والتطوير المستمر الذي تسلكه القيادة الحكيمة في كل ما من شأنه تحقيق مصلحة الوطن والمواطنين في كافة المجالات، فإننا نضم صوتنا إلى من سبقنا في المطالبة بزيادة صلاحيات وسلطات مجلس الشورى ليكون السلطة التشريعية في المملكة (البرلمان) ويمارس صلاحيات أي سلطة تشريعية ومنها:

  • 1سن الأنظمة والقوانين، وتتوج بموافقة الملك بموجب مرسوم ملكي، دون الرجوع إلى مجلس الوزراء.

  • 2مراقبة أداء السلطة التنفيذية (الحكومة) وأداء الوزراء ومناقشتهم حول أداء وزاراتهم، ويصل إلى مرحلة الاستجواب للوزير وطرح الثقة فيه.

  • 3مناقشة وإقرار الميزانية العامة للدولة والمقدمة من الحكومة.

  • 4إقرار السياسة العامة للدولة داخلياً وخارجياً .

فالمجلس الآن يضم في عضويته نخبة من رجال الوطن الأكفاء في كافة التخصصات ومن كافة مناطق المملكة، وهم مؤهلون بإذن الله للقيام بهذه المهام وقد أثبتت التجارب إمكانية تحقيق المجلس الكثير متى تم زيادة سلطاته، متمنين في ذات الوقت ومع بدء الدورة الخامسة للمجلس في عام 1430ه أن يتم انتخاب نصف أعضاء مجلس الشورى لتطبيق مبدأ المشاركة الشعبية، وعلى أية حال سواء كان أعضاء المجلس معينين أم منتخبين، فالمهم هو زيادة صلاحياته وأن يحقق مصالح الوطن والمواطنين، وأن يتلمس احتياجاته الأساسية وان يجد حلاً للمشاكل والظواهر التي تعتري المجتمع بين الفترة والأخرى، فبكل شفافية وصراحة نعلنها أن الكثير من المواطنين غير مقتنعين بأداء المجلس وإنجازاته، وأن المجلس لا يزال قاصراً عن تحقيق طموحاتهم وأمانيهم في تحقيق الحياة الكريمة لهم.

  • باحث قانوني

    maalsahle@alriyadh.com