لقد أصبح من المتعذر وربما من المخجل والمحرم أن يكتب محلل مالي في صحيفة أو يظهر على قناة فضائية ويجاهر بتفاؤله في السوق دون أن يوارب أو أن يدخل من الباب الخلفي للتحليل وربما شبابيكه. ولركوب موجة التحليل الأسطوري الخرافي الجديدة صار لزاما عليه أن تدمع عيناه بصورة مليودرامية حزينة على مغامرات المضاربين السندبادية في الباحة وفيبكو وخش يخش خشا ثم يختتم حديثه بموعظة للهيئة بقطع دابر الخراب والفساد واجتثاث أصول الشر واستئصال الإصبع السادس في يد المضاربين...

ليس بوسع أحدنا أن يجزم بما سوف تكون عليه أسعار الأسهم اليوم أو غدا أو بعد أسبوع، فالأسواق المالية تتراوح بحكم طبيعتها بين الصعود والهبوط على المدى القصير حتى ولو بفعل شائعة أو رسالة جوال نشرها ذو الإصبع السادس وهو مسترخ في بيته كأي فأر حقل بجوار زوجة سمينة تفوح منها رائحة الطبخ، ولكن القاعدة الأساسية أن الأسواق المالية تسير في صعود مستمر على المدى البعيد.

وكما بالغ السوق السعودي في موجته الأولى الدافعة وبإفراط في ارتفاع الأسعار إلى ما فوق قيمتها العادلة والمنطقية فمن غير المستغرب ان يبالغ في موجته الثانية التصحيحية في هبوط الاسعار الى ما دون قيمتها العادلة والمنطقية. ولكنه من المرجح أن الموجة التصحيحية الهابطة قد بلغت مداها في السوق السعودي أو لعلها صححت أكثر مما يتطلبه ذلك المدى، ولم يعد أمامنا بعد عملية التشبع البيعي سوى مرحلة قصيرة نسبيا من الاستقرار يعقبها اندفاع ملموس بالأسعار سوف يتجه بالسوق إلى المستوى العادل الذي ينبغي أن يكون عليه.

كما انه ليس من المهام المناطة بهيئة سوق المال أن تدفع بالأسعار نحو الارتفاع أو الهبوط أو أن تقف في وجه البائعين أو المشترين. فالحركة السعرية متروكة لقوى العرض والطلب تقررها بناء أساسيات السوق ومعطيات الاقتصاد الكلي والتغيرات السياسية في الجوار الأقليمي وكذلك المشهد الاقتصادي الدولي - والأهم - توافر وانسياب المعلومات المتعلقة بالشركات من والى السوق.

المهمة الأساسية التي توكل إلى الجهة المنظمة لعمل سوق المال تتمثل في تعزيز الثقة العامة بالسوق والحفاظ على فاعليته وخلق مناخ جاذب للاستثمارات والبنوك والصناديق من خلال الإشراف والرقابة على تطبيق القوانين وضبط المخالفين سواء كانوا أفرادا أو شركات مدرجة بما يضمن عدم المساس بمصالح المتداولين والحفاظ على حقوقهم بكل نزاهة وحيادية.

ضمان حرية الدخول والخروج من والى السوق، ضمان تدفق المعلومات بوضوح وبشفافية هو معيار نجاح البورصة. وهو الضامن لرفع كفاءتها وجذبها للاستثمارات قصيرة وطويلة الامد. أما ارتفاع الأسعار أو انخفاضها فليس معيارا يقيم من خلاله نجاح أو فشل البورصة إلا بعقليات مربكة مأزومة أو بالأحرى عقليات ضد اقتصادية هاجسها الفزعة والاستعراض وتخريج أزمتها على حساب المضاربين وربما البنوك أو صناديق الدولة أو حتى الهيئة نفسها إذا اقتضى الأمر، المهم قميص عثمان لتبرير الهبوط والاستعداء على خصم ما وتجريمه بالنسب الحمراء لا يهم أن نلوي عنق النظريات الأقتصادية لا يهم أن نحجب ضوء الشمس بقشة المهم أن يعاقب أحد.

حق يراد به باطل. فماذا بعد قميص عثمان؟!

ولماذا المضاربون بالذات؟! بل ما معنى سوق بدون مضاربة؟! وهل هناك مضارب صادق ونزيه ومضارب غشاش؟!

هل المطلوب من المضارب من شدة حبه للخير أن يتعلق في سابك من سعر 300الى سعر 100ريال إكراما لعيون المستثمرين، وأن يرش في محفظته على النسبة قبل إغلاق السوق كل يوم في الخشاش خوفا على جرح مشاعر أصحاب المحافظ الصغيرة؟!

لا هذا ولا ذاك. المطلوب منه ان يضارب بضمير وبعقلانية !! عليه بالاسمنتات وكل اسهم العوائد التي مكررها دون ال 15مرة ولا يهم ان كسرت قاعها أم لا "الله كريم" قليل من الصبر ثلاث سنوات ستعوض خسارتك وستعود أسعار العوائد إلى ما كانت عليه في 25فبراير 2006.المسألة بسيطة وفي متناول أقل الناس ذكاء ادخل إلى موقع الهيئة على الانترنت واختار كل الشركات التي مكررها تحت ال 15وإذا كنت شاطرا وأردت أن تتلهى بالتحليل الأبله اختر ما دون ال 10مرات وقارن بينها بالتأمل ثم اعقل وتوكل وإذا لم يعجبك اضرب رأسك بأقرب حجر، فأنت جشع شرير يجب اقتلاعك من السوق الطيبة.

البروفيسور يوجين فاما الشهير بنظريته في تسعير الأصول الرأسمالية وإدارة المحافظ والمعروفة باسم فرضيات السوق الفعال يشير في نظريته إلى أن على المضارب أن يكون لدية القدرة على صنع التوقعات العقلانية التي يدركها ويتوافق عليها معظم المتداولين (حتى ولو لم يكن هناك متداول واحد يتسم بالعقلانية بالفعل) وعندما تتغير القيمة المدركة على المضارب ان يصوب توقعاته. ويعتقد فاما أن أضعف نماذج المتاجرة هي التي تستند على البيانات الأساسية للسهم بينما نجاح المتاجرة مبني على أساس قيمة المعلومات الداخلية الكاملة الواردة من السوق.

وان لم تكن هذه هي المضاربة فماذا عساها ان تكون، ويوجين فاما يملك واحدا من أكبر صناديق المضاربة في الولايات المتحدة بأصول تقدر باثنين مليار دولار أمريكي. أحببت أن أسوق يوجين فاما مثالا وليس جورج سورس أو جوليان روبرتسون أو وارن بافيت أو جيسي لايفمور كونه مفكرا اقتصاديا وليس مضاربا فحسب. بل ان جون كينز أبو المدرسة الكينزية لم يكتب عن الدور المحوري للمضاربة بالبعد التنظيري فقط بل كان مضاربا محترفا عرف الإفلاس قبل أن يعرف الربح.

لا أظن بأن ثمة من يريد أن يعيد عقارب الساعة الى الوراء، تحرير سوق المال وابطال أي قانون يفرض على حركة الأموال أو يضع قيودا على السوق هو الخطوة الأولى في طريق تحرير التجارة الدولية والانتقال بالاقتصاد من طور المحلية إلى طور العالمية. الفكر الاقتصادي الحديث (شرق آسيا، الخليج العربي) يشرع القوانين للمراكز المالية ويسعى لجذب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية. أما سياسة التقوقع والحمائية التي هي نقيض الانفتاح فقد لفظها الزمن. ما معنى الحمائية لطالما ليس هناك من نحتمي منه؟! أنا افهم أن توضع القيود ويحد من حركة رأس المال في سوق مضاربي تغلغل فيه رأس المال الأجنبي (كما هو نموذج كوريا ماليزيا تايلاند عقب أزمة 1998)، أو بورصة سلع من شأن تضخم الأسعار بها أن ترفع كلفة الاستهلاك على المواطن. بخلاف ذلك فإن الدعاوي الاعتباطية الهادفة إلى تقييد السيولة المضاربية المحلية ستصيب السوق في مقتل وستمهد الطريق لهذه الأموال للفرار خارج الحدود. فهل هذا هو المطلوب؟!

المسألة الأهم وسط هذا الضجيج والتأويل والافتئات والذي بات يصور أن تقسيم السوق القادم بلا محالة ما هو إلا عقوبة للمضاربين، يتعامل مع مفهوم المضاربة بعد اختزالها وشخصنتها وتجريدها التام من سياقاتها الاقتصادية. فالمضاربة ليست فعل فعل هجين طارئ على مفهوم الاسواق المالية، بل هي خلاصة حية لتكوين بنيوي حي يشمل عناصر تشكل النموذج الرأسمالي المعاصر بأسرها.

ولكي نعمق الفهم الاقتصادي الهش لطبيعة المرحلة الراهنة أحيل المشككين في دور المضاربة الى آراء المفكر الاقتصادي الانجليزي جون كينز في عمل الاسواق المالية. وكينز هو مؤسس المدرسة الكينزية التي لا تزال تقود دفة الاقتصادي الرأسمالي الحر، حيث اناط كينز بالمضاربة في كتابه النظرية العامة للشغل والفائدة والنقود الدور المحوري والأساسي في تكوين الدورة السعرية. وأضاف على ذلك بأن الفقاعة السعرية التي يخشى منها هي ليست كذلك (أي ليست فقاعة) في زخم الاتجاه الصاعد للسوق لكن متى تآكل الاتجاه الصاعد تظهر الفقاعة من رحم المضاربة.

كل الأسهم ستتضخم مكرراتها مضاربية كانت أم استثمارية، فالأصل بالمسألة أن كل ارتفاع في سعر السوق يقابله ارتفاع في عائد السهم، ولكن النمو في العوائد يقف عند حد معين وهذا هو سبب تشكل الفقاعة في ظل ارتفاع الأسعار. والمقارنة هنا ليست بين سهم قيادي او سهم خشاشي لطالما أن الكل ارتفعت أسعاره عن المستوى العادل وأن الكل سيصحح بالضرورة. وإذا كان لابد من الإدانة فيما اذا ذهبنا لاستخدام عقلية الأزمة التي تدين أسهم الخشاش في عملية هبوط الأسعار إلى ما دون قيمتها العادلة لكان من باب أولى ادانه أسهم العوائد في عملية صعود الاسعار الى ما يفوق قيمتها العادلة بعجزها عن مواصلة ارتفاع عوائدها.

القيمة المتوقعة للسهم تتحدد منهجيا وفق آلية سعرية ذاتية سواء في الاتجاه الهابط او الاتجاه الصاعد وعندما تظهر الفقاعة السعرية في سعر السهم فليس هناك آلية سحرية بكبسة زر جاهزة لضبط الانحراف المعياري للسعر عن قيمته الحقيقية لكن متى تآكل الاتجاه الصاعد تبحث الاسعار عن نقطة التوازن بشكل ذاتي وهذا ما يسميه كينز بسوق الدببة أو السوق الهابط.

أما المفكر والفيلسوف الاقتصادي جان ستيوارت ميل فيري في اكثر مؤلفاته أهمية مذهب المنفعة والمستعمرات والاستعمار الكولينيالي بأن الدولة الأميركية الحديثة قد تأسست بفعل المضاربات على الذهب والنفط وبورصة الاسهم ومثلها كندا واستراليا ونيوزلندا.

سيناريوهات المؤشر العام للأسبوع القادم

في معرض حديثه عن التطبيق العملي يقول ربوبرت برخت في كتابه مبادئ موجات اليوت ص 43-44: في كل وقت فإن هناك عادة نموذجين صحيحين لترقيم الحركة السعرية خاضعة جميعها لقواعد موجات اليوت وبما أكثر... التحليل الموجي هو سلسلة احتمالية على المحلل أن يرجح سيناريو للتعامل معه وسيناريو بديل في حال فشل السيناريو الاول يصبح على الفور السيناريو البديل هو السيناريو المرجح للتعامل معه.

ووفق ما هو متاح من معطيات فنية رشحت الينا من الأسبوع الفائت فإن الترقيم الموجي لمؤشر السوق العام لا زال يراوح بين السيناريوهين:

السيناريو الأول: انتهاء تصحيح الموجة الثانية الرئيسية عند القاع 6767وانطلاق الحركة السعرية في الموجة الدافعة الأولى من الموجة الثالثة الرئيسية والتي تستهدف مستوى 10300كهدف أول خلال الربع الجاري من العام، ومستوى 12500كهدف ثان أما نقطة بطلان السيناريو تتمثل في الكسر أسفل القاع

6767.السيناريو ضعيف ببلوغ تصحيح الموجة الفرعية الثانية ما نسبته 85% فايبو من مجمل طول الموجة الفرعية الاولى.

وجدير بالذكر أن سهم سابك قد حافظ على نموذج الموجة الدافعة بالاتجاه الصاعد بجودة عالية بشرط عدم الكسر أسفل 111ريالا وكذلك سهم سامبا. غير أن إشارات الضعف بدأت تتوالى من اقتراب الراجحي من بكسر قاع الموجة الاولى عند مستوى 76.5وبطلان نموذج الموجة الدافعة لكل من لسهم الكهرباء والاتصالات.

السيناريو الثاني: عدم انتهاء تصحيح الموجة الثانية الرئيسية، واتجاه المؤشر لتحقيق هدف الموجة الخامسة والأخيرة من الموجة الدافعة الخماسية في الاتجاه الهابط والتي تمثل الموجة الفرعية (c) من الموجة المتعرجة، وتستهدف كهدف متحفظ على افتراض انقطاعها المنطقة ما بين القاعين 7498- 6767، أما في حال تم كسر القاع فان أول أهدافه هبوطا تتجه إلى 6486وهي النقطة التي تتساوى عندها طول الموجة الاولى بالموجة الخامسة. نقطة بطلان السيناريو تتمثل في كسر مستوى القمة السابقة

8956وبدأ هذا السيناريو يستمد قوته من ضعف نماذج الموجات الدافعة المكونة على الأسهم القيادية الأسبوع الماضي مدعوما بتوظيف خبر الاكتتاب في شركة كيان لاستمرار الضغط على المؤشر.

غير ان الاشارة الايجابية الواردة للسوق هي حصولنا على نموذج موجة قطرية خلفية شبه مكتمل والتي من شأنها ان تنهي تصحيح الموجة الخامسة باعتبارها موجة منقطعة، والموجة وانقطاع الموجة الخامسة وتشكل نموذج الموجة القطرية الخلفية يعد من أكثر النماذج الأليوتية عكسا للاتجاه وهذا يتلاءم مع كوننا في وينبغي أن يتبع انتهاء التصحيح الدخول في الموجة الدافعة الثالثة والتي تعتبر موجة الزخم في السوق.

ولكن أيا كان السيناريو فنحن بمناطق سعرية متدنية بما فيه الكفاية للبدء ببناء المراكز المالية استثماريا لمن هو خارج السوق أو تدعيمها مع كل هبوط وإجراء المناقلات لمن هو داخل السوق. أما مضاربيا فينصح بالتجميع في الاسهم الصغيرة سريعة الارتداد بجزء من السيولة المضاربية وتوفير سيولة للتدعيم في حالة الهبوط أو وقف الخسارة عند نقطة كسر الحاجز النفسي 7000للمضارب.

اين نتجه من هنا؟!

توافق السيناريوهين لحد الان على الحفاظ على المؤشر العام فوق الحاجز النفسي 7000يعد تأكيدا للصعود والذي يلزمه أكثر من مجرد الارتداد السريع اذ ينبغي ملامسة مستوى 7800والتي تمثل 38% فايبو (من مجمل موجة الهبوط) للحفاظ على سيناريو الصعود متماسكا بمقدار ثقة أكبر. ثم 8030وتمثل 38% فايبو، أما أدنى هدف مقبول فيقع عند 7540وتمثل 23% فايبو.

بقي أن نذكر بأن كسر القاع السابق للمؤشر 6767(الذي لا نرجحه راهنا) فان أول أهدافه هبوطا تتجه إلى 6486وهي النقطة التي تتساوى عندها طول الموجة الاولى بالموجة الخامسة.

@ مستشار مالي