تعرف مسؤولية الطبيب المدنية بأنها الحكم على الطبيب بتعويض الضرر الذي أصاب غيره من جهته، سواء بإعطاء "مثل الشيء إن كان مثليا أو قيمته إن كان قيمياً" وهذه المسؤولية بنوعيها (ضمان العقود، وضمان الضرر ) فيما يتعلق بالطبيب ترتبط بعمله الطبي فقط، أما إذا اخطأ أو خرج عن الأصول المتعارف عليها في مهنة الطب، أو مارس هذه المهنة من دون ترخيص، كل هذه الأخطاء تندرج تحت مسؤوليته الجنائية.

أما مسؤولية الطبيب المدنية في معظم الأنظمة الحديثة تقوم على مجموعة شروط لا تخرج كثيرا عما قاله الفقه الإسلامي، مثل وجود الخطأ أو الإهمال (التعدي) الذي يترتب عليه ضرر، وعلاقة سببية بينهما، ولقد استقر الرأي حديثا على قيام المسؤولية من كل خطأ ثابت في حقه على وجه اليقين، ولا يثبت الخطأ في الحقيقة إلا إذا خالف الطبيب احد الأصول أو المبادئ المستقرة في علم الطب، حيث حدد المنظم السعودي واجبات ومسؤوليات الطبيب الجنائية والمدنية والتأديبية في نظام مزاولة الطب البشري وطب الأسنان، المتضمن تشكيل اللجنة الطبية الشرعية التي تعد جهة الاختصاص القضائية في التظلم من الأخطاء الطبية، ولم يفرق المنظم السعودي بين خطأ الطبيب الفاحش واليسير من حيث المسؤولية، فأي خطأ مهني ترتب عليه ضرر بالمعالج يسأل عنه الطبيب مهما كانت درجته، بل إن الطبيب مسئول عما يرتكبه معاونوه الذين يعملون تحت إمرته وإشرافه.

ونخلص إلى أن مسؤولية الطبيب المدنية المهنية، هي مسؤوليته عن تعويض المضرور، سواء بالدية أو التعويض عن الألم أو عن ما تكبده من مصروفات علاجية، وهذه المسؤولية تستلزم كذلك وجود رابطة السببية بين خطئه والضرر الذي لحق بالمريض، وخطأ الطبيب يعرفه الفقه الإسلامي بالتعدي الذي تحدثنا عنه سابقا، والتعدي قد يكون بفعل ايجابي مثل تجاوز الطبيب للمعتاد في عمله، أو بفعل سلبي وذلك بامتناع الطبيب عن واجب كان عليه القيام به.

أما شرط الضرر في مسؤولية الطبيب المدنية، فهو الإيذاء الذي يلحق بالمريض في جسمه وسلامته، والقاعدة في الفقه الإسلامي أن القصاص والضمان لا يجتمعان، فإذا حدث خطأ من الطبيب ولم يترتب عليه ضرر لا تقوم مسؤولياته، وقد قدر الفقه الإسلامي الجزاءات التي فرضها الشارع في التعدي على النفس مثل الدية والأرش، وفيهما معنى التعويض، وعموما فان قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" يمكن أن تشمل كثيرا من الأضرار وكذلك يشترط لتحقق مسؤولية الطبيب المدنية انه لابد أن يكون الضرر وثيق الصلة بالفعل ارتباط النتيجة بالسبب.

أما مسؤولية الطبيب الأدبية فتتعلق بسلوك الأطباء، مثل إفشائه أسرار مرضاه، أو الكذب على المريض، أو تزوير الشهادات والتقارير الطبية لمصلحة المريض أو ضده، وكذلك إجراء عملية لمريض من دون حاجته الحقيقية لها وذلك من أجل الكسب المادي، كل هذه المسائل يسأل عنها الطبيب، فإذا شكل ذلك السلوك اللا أخلاقي منه ضررا لحق بمن وقع عليه يمكننا أن ننتقل إلى المسؤولية الجنائية أو المدنية، ولكن المقصود هنا بالمسؤولية الأدبية، هي تلك السلوكيات التي لا تلحق ضررا بالغير، وعموما الأنظمة التي تؤطر لهذه المهنة تتناولها بالمعالجة، كما أن المؤسسات الطبية تعرضه للمساءلة الإدارية التي تترتب عليها جزاءات إدارية، وذلك لتوفير الثقة بهذه المهنة والتحوط لخلوها من السلوك الذي لا ينسجم مع أخلاقياتها.

@ المحامي