يعد الأديب عبدالكريم الجهيمان المولود بحدود عام 1914م من أوائل من اهتموا بالموروث الشعبي، وهو من القلائل الذين نزلوا للميدان وجمعوا المادة الشفهية بأنفسهم من مصادرها الأصلية في وقت كانت فيه وسائل التسجيل بسيطة وآليات الجمع وتقنيات الحفظ نادرة إن لم تكن معدومة. ومع كل ذلك استطاع هذا الباحث أن يجمع لنا كمًا من المادة الشفهية الأصيلة من تراث الجزيرة العربية ويدوّنه لنا ويجعله متاحًا للجميع. وقد تمثل ذلك في عملين ضخمين هما (الأمثال الشعبية) (1963) بأجزائه العشرة، و(الأساطير الشعبية) (1967) بأجزائه الخمسة.

لقد بدأ الجهيمان التأليف منذ عام 1934م واستمر يكتب ويؤلف طوال ما يقرب من الثمانين عامًا بحيوية وإبداع. ومن أبرز مؤلفاته المطبوعة كتابان عن الرحلات هما (دورة مع الشمس)، و(ذكريات باريس). كما جمع مختارات من مقالاته في عدة كتب منها: (دخان ولهب)، و(آراء فرد من الشعب)، و(أين الطريق؟)، و(أحداث وأحاديث)، وغيرها. ثم نشر مذكراته في كتاب أسماه (مذكرات وذكريات من حياتي)، ونشر كتابًا آخر له علاقة كذلك بسيرته وذكرياته أسماه (رسائل لها تاريخ)؛ وله ديوان شعري بعنوان (خفقات قلب).

جدير بالذكر أن الجهيمان -متّعه الله بالصحة والعافية - قد أمضى شطرًا من حياته في العمل الصحفي؛ فهو من أوائل مؤسسي الصحافة في بلادنا وبخاصة في المنطقة الشرقية حينما أسس صحيفة (أخبار الظهران) عام 1955م. إضافة إلى عمله مع صديق عمره علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر -رحمه الله- في (مجلة اليمامة) وإشرافه عليها في بعض الفترات؛ كما عمل مشرفًا عامًا على (صحيفة القصيم) حينما كانت تصدر من الرياض، وعمل محررًا ومشرفًا كذلك في (صحيفة الجزيرة) في تلك الفترة.

والحقيقة أن تلك الجهود التي قام بها الجهيمان مع جيله هي التي أسست للثقافة والتعليم والصحافة وبنت قاعدة مناسبة رغم صعوبة الحياة وشح الموارد وقسوة الظروف إلا أنها استطاعت أن تتغلب على تلك المعوقات بالجهود المخلصة وتقدّم لنا مادة مهمة من تراث الجزيرة العربية. ومن أبرز ما تركه لنا الجهيمان ما يتعلق بالجانب اللغوي من الموروث الشعبي في الأمثال وفي الحكايات. ومن الواضح أن المؤلف لم يكن مجرد هاوٍ يجمع من هنا وهناك ثم ينشر بقدر ماكان باحثًا ممحّصًا ودقيقًا في عمله، يعرف هدف العمل ويعي أبعاده الثقافية. يقول في إهدائه لكتاب الأساطير الشعبية: (إلى الأجيال القادمة أهدي هذه الألوان من الأساطير التي سوف يستشف القارئ من خلالها كيف كان الآباء والأجداد يفكرون، وكيف كانوا يحلمون، وما أهدافهم وأمانيهم في الحياة، وكيف كانوا يتعاملون، وكيف يتخاصمون، وكيف يتصالحون. كل هذه الألوان وألوان أخرى غيرها في العادات والتقاليد والأفكار سوف يجدها القارئ الكريم في تضاعيف هذه الأساطير التي أهديها إلى القارئ في كل مكان).

فالأساطير التي هي في كتابه حكايات خرافية إنما تعكس الجانب الثقافي للمجتمع بمختلف أبعاده الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وتلك الحكايات الخرافية ذات مغزى خطير ذلك أنها توهم الناس أنها للتسلية والضحك وتزجية الوقت ولكنها في واقع الأمر تعمل عملا سريًّا في عقول المتلقين من خلال تشكيلها للوعي وإسهامها في بناء الشخصية الاجتماعية. أي أنها تسهم في تكوين ثقافتنا بما فيها من قيم وعادات ومثل وتصورات؛ ولنا أن نتابع حكاية من حكايات الغدر أو الخيانة أو الحب أو الخصام لنعرف كيف أن تصرفات الشخصيات محكومة دائمًا بقيم المجتمع. ومن هنا فإن تلك الحكايات تسعى إلى تأكيد قيم معينة أو التخفيف من سطوة قيم أخرى، وكأنها بذلك تعمل على رعاية المكوّن الثقافي للمجتمع الذي بدأ يتأثر بمعطيات الحياة العصرية.

وحينما نقرأ إهداءه كتاب الأمثال الشعبية نجد أن نظرته للأمثال الشعبية تنطلق من اعتبارها دلالة على ثقافة الناس السابقة وأنها نتاج تفكيرهم وتجاربهم في الحياة بمختلف أبعادها الإيجابية والسلبية. يقول في الإهداء: (إلى الباحثين عن طبائع الأمم وأخلاقها، إلى دارسي أحوال هذه الجزيرة والمتطلعين إلى معرفة طرائق تفكير أهلها، إلى الذين يريدون أن يتغلغلوا في طوايا سكان هذه البقعة من العالم فيعرفوا الجوانب الخيرة والجوانب الشريرة).

ومن يتتبع الأمثال الشعبية التي رصدها الجهيمان يجد أن المؤلف كان نزيهًا في اعتماد تلك الأمثال وفق صيغتها الشعبية، ونادرًا ما يلجأ إلى التعديل اليسير في بعض العبارات التي قد تنافي الذوق. ويبدو أن هذا التعديل حصل في فترة لاحقة لطبعات كتابه لأنه يشير إلى استفادته من النقد الذي قوبلت به الطبعات السابقة. ومن يعرف منهج الجهيمان يتضح له أنه ناقل أمين لأي معطى ثقافي؛ ذلك أن ما فيها من جانب سلبي أو إيجابي إنما يعبر خير تعبير عن المجتمع. وهو مجتمع ليس مثاليًا أو ملائكيًا بقدر ماهو مجتمع طبيعي فيه من الخير وفيه من الشر، ومن يرغب في دراسة المجتمع دراسة دقيقة فهو بحاجة أن يعرف سمات المجتمع كلها دون اصطفاء منها.

ومن أبرز سمات الجهيمان تواضعه الأخلاقي الذي هو نتيجة لعمله الجاد؛ فلا أتذكر من خلال قراءتي لمؤلفاته أنه يزكّي نفسه في المقدمة أو في الخاتمة أو يسبغ على ذاته أو على عمله العظمة بقدر ما يتهم نفسه وعمله بالنقص والضعف. يقول عنه صديقه العزيز الأستاذ الفاضل (أبو يعرب) محمد القشعمي في الكلمة التي ألقاها عند تكريم جامعة الملك سعود للجهيمان في 19ديسمبر 2006م إنه امتدحه ذات مرة بقوله (لم أرَ من يحب وطنه مثلك، فقد تحمل بسببه الكثير من المشاق والمتاعب. فأنت علمتنا أن الإنسان بلا هدف بلا قضية بلا اهتمام بالشأن العام هو إنسان هامشي)، فيرد عليه الجهيمان ضاحكًا: (بلاش فلسفة، أنا قدمت ما أستطيعه وأنتم الجيل الجديد عليكم البقية).

ولأن الجهيمان يمثل مدرسة في البحث الميداني وقد جمع مادة مناسبة لدراسة الفلكلور في الجزيرة العربية، فإنه من الأجدى لهذا الحقل أن يؤسّس له مركز يحمل اسم هذا الرائد ليكون (مركز الجهيمان للتراث الشعبي) وذلك تكريمًا لهذا الباحث الجليل في حياته، ودعمًا لحقل الفلكلور في بلادنا. ولكي يكون مركزًا يدعم بقية المراكز الثقافية ويغطي جوانب أخرى من التراث لم تتح لها الفرصة للظهور وفق منهج البحث العلمي كالموروث الشعبي بمختلف جوانبه وهي الجانب اللغوي، والفنون، والقيم والتصورات الذهنية، والجوانب المادية في التراث.