تعرف المسؤولية عند الفقهاء بأنها التزام شخص بضمان الضرر الواقع على الغير نتيجة لتصرف قام به، أي صلاحية الشخص المكلف لتحمل نتائج أفعاله. أما في اصطلاح القانونيين فتعرف المسؤولية بأنها تعويض للضرر الناشئ عن عمل غير مشروع، سواء كانت مسؤولية عقدية نتيجة الإخلال بالتزام عقدي، أو مسؤولية تقصيرية تقوم نتيجة خطأ والمسؤولية الجنائية عموماً تقوم على عنصري العلم والإرادة، أي الإدراك والاختيار الحر غير المعيب، وعدم الإدراك ينفي المسؤولية لقوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) والمسؤوليتان المدنية والجنائية متلازمتان دائماً، لأن كل منهما تقوم على الخطأ، وهناك مسؤوليات أخرى منها المسؤولية الأدبية والتي تقوم على قواعد أخلاقية، وكذلك المسؤولية الإدارية التي تتعلق بعمل المرافق العامة وهكذا تتعدد أنواع المسؤولية باختلاف موجباتها والقواعد التي تبنى عليها.

ولقد قررت الشريعة الإسلامية مسؤولية الإنسان الفردية منذ ميلاده سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قال تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى وأن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى)، وقوله: (كل نفس بما كسبت رهينة)، وقوله جل وعلا: (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) ويقول المولى سبحانه وتعالى: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) فالقرآن يؤكد على مسؤولية الإنسان عن سعيه ليس في الدنيا فقط، بل في الآخرة أيضاً، وهذا ما يميز الخطاب الإسلامي والفهم الفقهي له، وبذا يكون معنى المسؤولية أشمل وأوسع في الإسلام، وها هو الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وأيضاً يقول صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما ابن آدم حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل في ما علم؟"، فما أعظم هذا المبدأ وشموليته في الشريعة الإسلامية، حيث قررت المسؤولية تجاه الغير لقوله سبحانه: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) وقوله صلى الله عليه وسلم: "قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا"، فلا يجوز شرعاً للإنسان التعدي على نفسه دعك عن الغير، لأنها ليست ملكاً له، لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).

وتتحقق مسؤولية الطبيب الجنائية عموماً باستقراء أقوال الفقهاء بوجود ركنين أساسيين هما: التعدي والضرر، وعلاقة قائمة بينهما، وهذا لا يعني أن الإرادة غير مشترطة هنا ولكن الطبيب تقوم مسؤوليته حتى ولو لم يكن قاصداً الضرر، أما إذا توفر لديه القصد الجنائي فيسأل عن جريمة عمدية، ومن المتفق عليه فقهاً أن شرط المكلف أن يكون عاقلاً للتكليف هو شرط لازم لنشوء المسؤولية الجنائية.

والتعدي كركن يعرفه الفقهاء المسلمون بأنه، هو العمل الضار بدون وجه حق، والتعدي يمكن تصنيفه إلى: أولاً: تعدي عمد وهو يتحقق عندما يقوم الطبيب بفعل محظور بقصد الوصول إلى نتيجة الاضرار بالمريض (توافر القصد الجنائي)، وهنا المسألة تعتبر جناية عمد تستوجب القصاص، وفي هذا الصدد يقول الإمام النووي "ولو قطع السلعة (الخراج) أو العضو المتكل من المستقل قاطع بغير إذنه فمات لزمه القصاص". ثانياً: تعدي الخطأ، أي عدم توفر القصد الجنائي، والأصل في المشروع أن المسؤولية لا تتحقق إلا عن عمد، ولكن رغم ذلك أجازت الشريعة العقاب على الخطأ استثناء من هذا الأصل، مراعاة للمصلحة العامة، والطبيب المخطئ خطأ فاحشاً كالعامد مسؤول جنائياً وذلك لأنه قد عصى الشارع لا عن عمد ولكن عن تقصير وعدم تثبت، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن". ويمكننا القول إن مسؤولية الطبيب الجنائية تقوم على سلوك يشكل اعتداء، وجهلٍ من الطبيب يشكل مخالفة لأصول مهنته، وخطأ يرقى إلى القول إنه فاحش.

ويعفى الطبيب من المسؤولية عند الفقهاء كما ذكر الإمام الخرقي: "ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا متطبب إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم". وقد علق على ذلك ابن قدامة رحم الله الجميع بتعليق مفاده أن هؤلاء جميعاً إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين: أولاً: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم ولهم بصارة ومعرفة، لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا كان فعلاً محرماً فيضمن سرايته كالقطع ابتداء. ثانياً: ألا تجني أيديهم فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا لأنهم قطعوا قطعاً مأذوناً فيه فلم يضمنوا سرايته كقطع الإمام يد السارق، أو فعل فعلاً مباحاً مأذوناً في فعله. وبالجملة فإن الطبيب إذا راعى حقه في عمله ثم نتج عن فعله ضرر لحق بالمريض ولا يمكن الاحتراز منه فلا ضمان عليه، لأن الطبيب إذا كان حقه في حدوده المشروعة فهو يقوم بواجبه، والأصل أن الواجب لا يتقيد بوصف السلامة، أو على قول بعض الفقهاء أن شرط الضمان على الأمين باطل.

ويعتبر أن رضا المريض العاقل الراشد شرط لازم لعدم قيام المسؤولية الجنائية للطبيب، وإن كانت هناك حالات تستلزم تدخل الطبيب دون التعويل على مسألة الرضا هذه، بل أحياناً يكون تدخل الطبيب واجباً عليه يسأل عند امتناعه عن القيام به. وعموماً هنالك حالات لا يعتد فيها برضا المريض، منها حالة أن الطبيب كان واقعاً تحت اكراه بالتدخل الطبي، وعموماً الإكراه جنائياً بعدم إرادة الجاني ما يعفيه من المساءلة، وحالة كون المريض قاصراً أو في حكم القاصر، وحالة كون المريض مغمى عليه أو فاقد الوعي واستدعت حالته المعالجة السريعة التي لا تحتمل انتظار افاقته أو وعيه ومن ثم الحصول على إذنه بالمعالجة، ويعتبر رضا المريض كشرط لاعفاء الطبيب من المسؤولية استثناء من القاعدة التي لا تعفي الجاني عموماً عن جنايته في حال رضا المجنى عليه بالفعل الذي شكل واقعة الاعتداء الجنائي.