اكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن القمة العربية المنعقدة في الرياض مدعوة لوضع الآلية وتحديد السبل الملائمة من أجل ان تواصل مبادرة السلام العربية تقدمها نحو آفاق جديدة بحيث لا يتبقى مجرد إعلان مبادئ يشيد به العالم ويسانده نظرياً.

وأعرب عباس في كلمته والتي وجهها إلى (قمة الرياض) عن أمله في ان يتمخض هذا المؤتمر عن تشكيل لجنة عربية برئاسة المملكة رئيس المؤتمر لمتابعة تنفيذ المبادرة العربية عبر الصلة والتعاون مع اللجنة الرباعية الدولية وجميع الأطراف المعنية بإطلاق عملية السلام من جديد.

وأشار إلى انه يجب أن يكون لهذه اللجنة برئاسة المملكة حرية التحرك والتصرف وفق ما تمليه الظروف والاعتبارات من أجل تحقيق الأهداف الوطنية والقومية التي نسعى جميعاً إلى احقاقها.

وفيما يلي نص كلمة الرئيس محمود عباس:

خادم الحرمين الشريفين/ رئيس المؤتمر/ حفظه الله

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو

الحضور الكرام

يسعدني ويشرفني أن أتقدم إليكم يا جلالة خادم الحرمين الشريفين، وإلى اخوانكم وأبنائكم وشعبكم الكريم، بفائق التقدير والشكر والمحبة، وباعتزاز فلسطين وشعبها الصامد المكافح بأواصر الاخوة وروابط المصير التي جمعتنا على مدى السنين، قبل وبعد انطلاقة ثورتنا الوطنية المعاصرة منذ ما يزيد عن أربعين عاماً. هذه الروابط التي توثقت أكثر فأكثر بفضل دوركم وجهودكم يا صاحب الجلالة، وبفعل حرصكم على قضيتكم الكبرى - قضية شعب فلسطين - وحقه في الحرية والاستقلال.

ويسعدني ويشرفني أيضاً أن أتقدم بالشكر والتقدير للإخوة الملوك والرؤساء العرب جميعاً، لدعمهم المتواصل لشعبنا، والذين كانت مواقفهم ومازالت عاملاً حاسماً في تغيير المسار، وفي الحد من المخاطر، وفي فتح آفاق جديدة أمام قضيتنا العادلة في كل منعطف مصيري، وكلما واجه شعب فلسطين تحديات خطيرة، ومن أجل تحرير أرضه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

صاحب الجلالة،

سيظل شعبنا يذكر على الدوام مأثرتكم من خلال الدعوة الكريمة التي وجهتموها، لعقد لقاء مكة المكرمة، والذي تكلل بالنجاح التام، بفعل رعايتكم له وبُعد نظركم ودعم كل أشقائنا قادة الدول العربية، حيث توصلنا إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي حقنت دماء الإخوة، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني تتكاتف فيها كل القوى والتيارات في داخل الوطن الفلسطيني وخارجه، ويتحول تكاتفها إلى أساس متين نبني عليه مزيداً من الدعم والإسناد العربي والإسلامي والدولي لتحقيق أهدافنا الوطنية المشروعة. والمضي قدماً في العملية السلمية بهدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

وأود هنا أن أشير بشكل خاص إلى دور جلالتكم في إطلاق مبادرة السلام العربية وتبنيها من الإخوة ملوك رؤساء وأمراء الدول العربية، تلك المبادرة التي أظهرت للعالم بأسره وضوح الموقف العربي والفلسطيني تجاه السلام، وتكامل عناصر هذا السلام وأركانه، حيث أكدت على الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة وحصول شعبنا على حقوقه الوطنية المشروعة مجسدة في قيام دولة فلسطين المستقلة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967م بما فيها القدس الشريف، وتأمين حل عادل متفق عليه لقضية اللاجئين وفق قرار 194، هذا كله مقابل قيام علاقات طبيعية وسلام تعاقدي كامل مع إسرائيل.

إن من لا يريد أن يرى إيجابية هذا الموقف الفلسطيني والعربي ويدعو إلى تجزئة هذه المبادرة أو تغيير بعض عناصرها إنما يفعل ذلك بسبب رغبته في التهرب من استحقاق السلام، الذي يشترط زوال الاحتلال والاستيطان بكامله والعودة إلى رحاب الشرعية الدولية والإلتزام بقراراتها وأسسها جميعاً وبدون انتقاء لبعضها ورفض للبعض الآخر.

ولا ريب أننا مدعوون في هذه القمة الكريمة، إلى مواصلة الجهد الخير، بوضع الآلية وتحديد السبل الملائمة من أجل أن تواصل مبادرة السلام العربية تقدمها نحو آفاق جديدة، وبحيث لا تبقى مجرد إعلان مبادئ يشيد به العالم ويسانده نظرياً، وإنما تتحول إلى خطة عملية متكاملة تحظى بفرصة التطبيق الملموس بدون أي تغيير في بنودها أو حتى في نصوصها.

ولذلك فإننا نأمل أن يتمخض مؤتمرنا هذا عن تشكيل لجنة عربية برئاسة المملكة العربية السعودية رئيس المؤتمر، لمتابعة تنفيذ المبادرة العربية عبر الصلة والتعاون مع اللجنة الرباعية الدولية، وجميع الأطراف المعنية بإطلاق عملية السلام من جديد. وأن يكون لهذه اللجنة برئاسة المملكة حرية التحرك والتصرف، وفق ما تمليه الظروف والاعتبارات من أجل تحقيق الأهداف الوطنية والقومية التي نسعى جميعاً إلى إحقاقها، وذلك عبر حل تفاوضي يحظى برعاية المجتمع الدولي، وضمن إطار مؤتمر دولي للسلام في المنطقة.

وأود في هذا الإطار أن أؤكد ومن على هذا المنبر الكريم، باسم شعبنا بأسره وكل مؤسساته، التي تعبِّر عنها منظمة التحرير الفلسطينية صاحبة القرار السياسي، والممثل الشرعي والوحيد والمخولة بالتفاوض باسمه، وحسب ما أكد عليه اتفاق مكة، أننا في الوقت الذي نطالب فيه بالحل العادل والشامل لقضيتنا، ننبذ العنف والعنف المتبادل بكل أشكاله لأننا كنا ولا زلنا الضحية الأولى لهذا العنف. كما أننا نلتزم بكل ما وقعنا عليه من اتفاقية ومواثيق وعهود لأننا الأحرص على الشرعية الدولية والطرف الذي دفع أغلى الأثمان من حقوقه ومن حياة أبنائه، وعانى ولا يزال من التشرد والمذابح والسجون، بسبب غياب الشرعية الدولية عن فلسطين وأراضيها وشعبها. وأضيف أيضاً أننا الطرف الأول الذي رحب برؤية حل الدولتين، الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي بوش، وأكدنا التزامنا بهذا الحل لقيام دولة فلسطين المستقلة على حدود عام 67إلى جانب دولة إسرائيل.

إننا مدعوون إلى بذل جهود مضاعفة من أجل إطلاق مسيرة حل عادل ومتوازن، لأن المماطلة والتسويق وهدر الوقت لن تكون في صالح هذا الحل، بل ستصبح المنطقة بأسرها مهددة من جديد بمخاطر الحروب والانفجارات والمواجهات الإقليمية والدولية بسبب غياب هذا الحل أو استحالة تطبيقه. إنني أقول ذلك، لأن من يرى ما يجري على أرض الواقع في الضفة الغربية من تكثيف للاستيطان وبناد جدار العزل العنصري وتحويل المناطق الفلسطينية المأهولة الى معازل، واقتطاع اجزاء واسعة من ارضنا وربطها عملياً بشبكات من الطرق والبنية التحتية مع اسرائيل، وفصل القدس بالكامل عن بقية المناطق الفلسطينية والعمل على تغيير معالمها، من يرى ذلك يدرك كم اننا مطالبون باجراءات عاجلة وخطوات سياسية استثنائية قبل ان تنتصر نهائياً سياسة التوسع والاحتلال، ويصبح الوضع بأكمله مفتوحاً على مخاطر كبرى تهدد شعبنا والمنطقة بأسرها والبلدان العربية الشقيقة بخاصة الاكثر قرباً منا. انني اقول ذلك بدون اية مبالغة او تهويل، بل لعل الواقع القائم الذي نعايشه ونراه يومياً اشد هولاً وتردياً مما وصفته وعرضته امامكم.

خادم الحرمين الشريفين

اصحاب الجلالة والفخامة والسمو

اتيت هنا حاملاً رسالة الجراح والألم والمعاناة لشعب بأكمله يعاني من قهر الاحتلال ومن التشرد، وانقل معي ايضاً رسالة آلاف الاسرى والمعتقلين وعائلات الشهداء والجرحى الذين ينتظرون بأمل كبير تدفق نور الحرية بعد ان ساد ظلام الاحتلال طويلاً.

واتيت حاملاً رسالة كل مؤسساتنا الوطنية الفلسطينية بما فيها الحكومة الفلسطينية الجديدة، حكومة الوحدة الوطنية، التي ستضع نصب اعينها انجاز ملفين اساسيين، ملف الأمن الداخلي بما في ذلك ضمان سيادة القانون والنظام والقضاء على الفلتان والفوضى، والملف الاقتصادي الذي يشمل وضع حد لحالة الانهيار الاقتصادي والتدهور الهائل الذي حصل في مستوى حياة ومعيشة كل عائلة فلسطينية، بالاضافة الى تراجع دور مؤسساتنا وشللها بفعل نقص الموارد المالية وحالة الحصار التي عانينا ونعاني منها.

ان رغبة شعب فلسطين في السلام رغبة راسخة وتنبع عن حلم طال امده، واناشد اليوم من على هذا المنبر المجتمع الدولي بمساندتنا في تحقيق احلام اطفالنا وشبابنا وشيوخنا بالعيش في سلام وكرامة في ظل الدولة الفلسطينية المستقلة.

ان حلم السلام الفلسطيني الاسرائيلي يمكننا تحقيقه اذا توفرت النوايا الصادقة والارادة الجادة في المضي قدماً في المسيرة السلمية. وانني اذ اؤكد هنا على صدق الارادة الفلسطينية في مد يد السلام للشعب الإسرائيلي، ادعو هذا الشعب وقيادته الى مبادلتنا هذا الحلم وهذه الارادة حتى نتمكن من تحقيق ذلك سويا بدعم الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي بأكمله وان لا نضيع فرصاً اخرى في تاريخ هذه القضية الطويل والأليم.

انني وشعبنا كله نأمل ان تتوصل هذه القمة الكريمة الى قرارات ذات طابع عملي تسهم بشكل فعال في فك الحصار الظالم الذي فرض علينا، وتفتح الباب لمرحلة مختلفة، بخاصة بعد اتفاق مكة المكرمة وتشكيل الحكومة الجديدة، مرحلة يتمكن فيها شعبنا ومؤسساته من النهوض، ومن التوجه نحو البناء والاعمار، ونحو مساندة مسيرة السلام العادل الذي ينبغي الوصول اليه تماشياً مع الارادة الوطنية لشعبنا، ومع توافق الارادتين الاقليمية والدولية.

وانني اذا اؤكد تقديرنا الكبير لدعمكم لشعبنا ومؤسساته الوطنية، وهو الدعم الذي وضع حداً لتأثير حصار الاحتلال وضغطه علينا، فإننا نأمل في هذا الظرف استمرار هذا الدعم بما يكفل لنا التغلب على المصاعب الهائلة التي تزايدت بفعل الحصار، وتردي الوضع الاقتصادي والانساني. ان صمودنا هو عنوان لصمود هذه الامة التي لم تبخل يوماً بالجهد والعرق لكي تبقى فلسطين رافعة راية الشموخ والعزة.

كما انني اتوجه بالشكر الى جميع اخوتنا في بلداننا العربية الشقيقة بالعرفان والتقدير، والى قادة هذه البلدان جميعاً، من احتضن منهم قضية فلسطين طوال عشرات السنين، ومن استضاف شعبها المشرد، ومن حمل قضيتها في جميع المحافل مدافعاً عن عدالة هذه القضية واولويتها في الحل، ومن آزر بالدعم السياسي والمادي بدون حساب شعبنا ومنظمة التحرير ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية منذ قيامها.

وكلي ثقة ان استمرار دعمكم وتضامنكم الاخوي وحبكم الغامر لفلسطين ارضاً ومقدسات وشعباً مناضلاً سيبقي العون الاكبر لنا على الدوام.

ان فلسطين التي تعاني اليوم من تهديد لمقدساتها الإسلامية والمسيحية، ويتعرض الاقصى المبارك فيها الى مخاطر عدة تحت ستار الحفريات والتنقيب، هي اليوم في حاجة الى مزيد من المساندة العربية والإسلامية والدولية، واعلاء لصوت العدل والحرية، في مواجهة معول الهدم الاحتلالي الذي يذكي نار العداء بين الشعوب والاديان ويستهين بحرمة المقدسات.

ان القدس العربية، بأرضها وشعبها ومقدساتها المسيحية والإسلامية ومؤسساتها الوطنية، تواجه صباح كل يوم خطراً اشد واوسع بهدف طمس معالمها والقضاء على مكانتها كعاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة. ولا بد هنا من اجراءات عاجلة سياسية وعملية وخطة انقاذ فعالة للحد من هذا الخطر الاستراتيجي.

خادم الحرمين

ان القيادة الفلسطينية تتابع باهتمام بالغ الاوضاع في لبنان الشقيق، الذي نتمنى له ان يعزز وحدته ويحمي استقلاله ومؤسساته الديمقراطية، وسنكون دوماً عوناً للبنان كما سيكون الفلسطينيون حريصين على احترام سيادة لبنان واستقلاله وسيطرة الدولة على جميع اراضيه.

واود ان اعبر عن تضامننا الكامل مع شعبنا العراقي الشقيق في هذه المحنة التي يمر بها، وكلنا ثقة بأن هذا الشعب العظيم صاحب التاريخ العريق والالتزام القومي الاصيل، سيكون قادراً على النهوض بوطنه، وعلى بناء عراق جديد ديمقراطي وموحد. وسوف نتعاون مع اشقائنا في العراق من اجل انهاء محنة ابناء شعبنا هناك، كذلك نأمل ان يتمكن اشقاؤنا في الصومال من تجاوز كل المصاعب، وحماية استقرار وطنهم، والحفاظ على مؤسساته، وطي صفحة الماضي بأكملها موحدي الصفوف.

خادم الحرمين الشريفين

من ارض الاسراء والمعراج، ومن قدسنا الشريف، قدس الاقصى المبارك والقبلة الاولى، ومن ارض المسيح عليه السلام وموئل مهده وصعوده الى السماء. من أرض الايمان بالله الواحد العزيز الحكيم، وبلد الانبياء والرسل، جئت الى بلد يحمل راية اعز الرسالات ويدافع عنها، رسالة المحبة والتسامح والاخوة بين البشر، حيث لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى، وحيث تتكرر الدعوة الى السلام مع مطلع كل صبح ومع كل تكبيرة آذان. جئت لأقول لكم يا صاحب الجلالة ولجميع اخوتكم ملوكاً ورؤساء وأمراء، شكراً لكم باسم فلسطين، فلسطين التي ستبقى حاملة لامانتها مدافعة عن رسالتها ومقدساتها.