في 5يونيو ( حزيران ) 1967م شنت (إسرائيل ) عدواناً واسعاً على مصر وسورية والأردن بشكل متزامن ، مستفيدةً من تفوق الطيران العسكري الإسرائيلي ، وبررت العدوان بأنه جاء رداً على تحركات عربية تمثلت في تأسيس القيادة العسكرية العربية الموحدة التي نشرت قوات كبيرة على الحدود و استمرت في إغلاق المنفذ البحري لإسرائيل مع طلب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر من قوات الأمم المتحدة الخروج من مصر وإنهاء التواجد الدولي بشكل فوري .

ستة أيام كانت كافية لاحتلال قطاع غزة و شبه جزيرة سيناء و الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف و هضبة الجولان و أصبحت كل تلك المناطق تحت الاحتلال الإسرائيلي ، ليصبح حجم (إسرائيل) أكبر أربع مرات عما كان عليه عند وقف إطلاق النار في 1949م.

واتخذ مجلس الأمن في 22نوفمبر(تشرين الثاني) 1967م، بالإجماع القرار 242الذي وضعه اللورد كارادون والذي حدد المبادئ العامّة لتسوية سلمية دائمة بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلت عام 1967وإنهاء حالة الحرب والاعتراف بالسيادة واحترامها والاستقلال السياسي لكلّ دول المنطقة مع ضمان حرية الملاحة خلال الممرات المائية الدولية في المنطقة، و تأسيس مناطق منزوعة السلاح.

وفي 1978م، وافقت (إسرائيل) على عودة شبه جزيرة سيناء إلى مصر ، واتفقت الدولتان على الحكم الذاتي أيضا لقطاع غزة والضفة الغربية، ثم وقعتا معاهدة السلام في 1979،

وفي 1982م استعادت مصر السيطرة الكاملة على شبه جزيرة سيناء وفي العام نفسه أقرت "قمة فاس" مشروع السلام الذي قدمه المغفور له بإذن الله الملك فهد بن عبد العزيز .

في 15نوفمبر 1988م أعلن الأردن فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية و الاعتراف بها كجزء رئيسي من فلسطين .

وفي مايو 1994م أعادت القوات الإسرائيلية انتشارها في قطاع غزة و أريحا تنفيذا لاتفاقية أوسلو وأصبحت الأراضي الفلسطينية تحت سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني ممثلة بالسلطة الوطنية الفلسطينية ، لكن الجيش الإسرائيلي أعاد احتلال هذه الأراضي في العام 2002وحاصر الرئيس الفلسطيني في مبنى المقاطعة برام الله .

وظلت هضبة الجولان السورية من الجبهات التي تتسم بالهدوء على الرغم من أن سورية هي الدولة الوحيدة من دول الطوق التي لم تعقد سلاماً مع الدولة العبرية ، لكن شيئاً من واقع الاحتلال لم يتغير .

وفي قمة بيروت في العام 2002م أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما كان ولياً للعهد إذ ذاك مبادرته لتحقيق سلام عادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، ونجحت الدبلوماسية السعودية في حشد الإجماع العربي في تلك القمة لتبني المبادرة التي أصبحت فيما بعد مبادرة السلام العربية .

وتحدث خادم الحرمين في القمة عن القرار العربي الاستراتيجي للسلام، مؤكداً أن هذا الموقف ليس نابعاً من منطلق ضعف.

وقال إن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وعودة اللاجئين، هو الطريق للسلام، لأنه بدون هذه النتيجة تصبح العملية السلمية مضيعة للوقت، ومجرد مناورات تقود إلى حلقة مفرغة من العنف.

ثم وجّه حديثه إلى الشعب الإسرائيلي مباشرة قائلاً: إن أكثر من نصف قرن مضى، والدمار لا يزال مستمراً، وأن الشعب في (إسرائيل) لا يزال بعيداً عن الأمن والسلام رغم التفوق العسكري ورغم محاولات القهر والإذلال.

وتنص المبادرة على تطبيع علاقات الدول العربية مع (إسرائيل) مقابل انسحاب الدولة العبرية من الأراضي التي احتلتها منذ 1967م إلى جانب قيام دولة فلسطينية مستقلة.

كما تدعو المبادرة العربية إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتم الاتفاق عليها بالتوافق مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 194وتعبر عن "رفض جميع أشكال التوطين الدائم للفلسطينيين".

وسارعت (إسرائيل) إلى رفض المبادرة ، وما أن أنفضت القمة حتى اجتاح الجيش الإسرائيلي رام الله ونابلس وارتكب مجزرة جنين بعد اجتياحها ، وبدأ بمحاصرة الرئيس الفلسطيني المنتخب ياسر عرفات في مقر المقاطعة برام الله ، وشن هجوماً شرساً على مختلف مدن القطاع والضفة ، لينقلب الرأي العام العربي ضد أي حديث عن السلام وهو ما حتم وضع هذا القرار جانباً حتى تنتهي العملية العسكرية الإسرائيلية لكن العملية طالت وأدت إلى تواصل حصار عرفات ، كما أدت لاحقاً إلى تطورات كبيرة أدت إلى تبني (إسرائيل) مبدأ الانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة دون تفاوض .

وبالإضافة إلى استمرار التعسف العسكري الإسرائيلي والتعنت السياسي لم يوفق العرب في تسويق المبادرة العربية دولياً وحشد الدعم الدولي لها ، ربما بسبب احتقان الشارع العربي نتيجة الاستفزازات الإسرائيلية المتتالية وعدم قدرة الدول العربية على التلويح بالسلام في ظل اشتغال آلة الحرب الإسرائيلية .

ومع غياب مجرم الحرب الإسرائيلي أرييل شارون عن المشهد السياسي ، ودخوله في غيبوبة ، وصعود أولمرت إلى رئاسة الوزراء الإسرائيلية ، وما نتج عن الفرز الانتخابي وحدوث الانقسامات داخل الليكود وظهور حزب "كاديما" ، ومع تزايد الضغوط على الولايات المتحدة من الداخل والخارج بعد تورطها في الحرب على العراق ، وتأزم الملف النووي الإيراني ، بات حل الصراع العربي الإسرائيلي حاجةً ملحةً للإدارة الأمريكية.

ودفع هذا الوضع بحكومة أولمرت إلى بدء الحديث بلغة جديدة عن المبادرة العربية بأنها "تصلح كأساس للتفاوض" وأن في المبادرة العربية بنودا " ايجابية " يمكن قبولها، وأن المبادرة العربية تحتاج إلى تعديل،بيد أن هذا الحديث لم يكن ليرتقي للحل الشامل الذي قدمه العرب في مبادرتهم في بيروت ، إذ ترى (إسرائيل) أن قبول النقاط الإيجابية في المبادرة لا يعني عدم اعتراضها على ما تضمنته المبادرة العربية من تأكيد على حق العودة وفق قرارات الشرعية الدولية وخصوصاً القرار 194والذي اعترف للمرة الأولى على النطاق الدولي بحق العودة للفلسطينيين الذين اجبروا على الهجرة على يد العصابات الإرهابية مثل "الهاغانا" التي اجتثتهم من بيوتهم وأجبرتهم على اللجوء والعيش في مخيمات و معسكرات الشتات، محرومين من الحد الأدنى لحقوق الإنسان والمواطنة.

ومع اقتراب عقد القمة العربية في الرياض بدأت المملكة مساعيها لتحريك عدة ملفات شائكة، على رأسها ملف الصراع العربي الإسرائيلي ، من خلال تفعيل المبادرة العربية .

ورافق ذلك جدل عربي إسرائيلي إعلامي حول النقاط الايجابية من جانب (إسرائيل) ، والنقاط التي ترفضها ، يقابله تأكيد عربي على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لموطنهم وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 194.وهو القرار الذي ترى (إسرائيل) استحالة تطبيقه لمزاعم ديموغرافية وأمنية.

كما يتم وسط تأكيدات عربية بأن المبادرة العربية غير قابلة للتعديل إذ أعلن بيان من الديوان الملكي الأردني في 15مارس ( آذار ) الجاري أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قال لصاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية ووزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط في عمان انه يجب أن يكون في القمة العربية المقبلة بالرياض توافق حول دعم خطة السلام العربية.

ونقل البيان عن العاهل الأردني قوله يجب أن تعمل الدول العربية مجتمعة على توحيد مواقفها، وبخاصة في ما يتعلق بإعادة الزخم لمبادرة السلام العربية التي التزم بها العرب في قمة بيروت

2002.وقال وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط في ذات اللقاء انه "لا تعديل ولا موافقة على أي تعديل للمبادرة العربية.. التي كنا نأمل ونتصور أن توافق عليها (إسرائيل) آنذاك وبشكل يدفع بعملية السلام" وهي الرسالة الأقوى في وجه محاولات التعديل الإسرائيلية التي تسعى للفكاك من حق العودة .

ويتوقع مراقبون أن تخرج قمة الرياض بالتأكيد على التمسك بالمبادرة العربية كأساس لحل شامل ونهائي يفضي إلى سلام دائم وشامل .

وقلل المراقبون من شأن جولة وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس قبيل القمة العربية واجتماعها في أسوان باللجنة الرباعية العربية ، والتكهنات بحملها اقتراحات لتعديلات على المبادرة العربية بالنظر إلى الموقف الأمريكي من المبادرة العربية كونها ليست وثيقة للتفاوض لكنها إطار ورؤية لكيفية تحقيق المصالحة من وجهة نظر واشنطن وبالنظر أيضاً إلى ما خرج به اجتماع عمان بين العاهل الأردني والأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية المصري من تأكيد على التمسك بنص المبادرة العربية دون تعديل ، بما في ذلك حق العودة . وتشير التسريبات إلى أن قمة الرياض ستؤكد على المبادرة العربية بالصيغة التي اعتمدت في قمة بيروت ، وربما تتجاوز إلى الاتفاق على تشكيل لجنة جديدة لتسويق المبادرة دولياً برئاسة المملكة، وسط انتقادات بأن اللجنة التي تضم 11دولة عربية والتي تم تشكيلها في عام 2002للترويج للمبادرة ، لم تفعل شيئاً. بالإضافة إلى ما ذكر عن وجود خلاف حول عضوية اللجنة .

وتعارض الدول العربية إجراء أي تعديلات على نص المبادرة رغم اقتناعها بأنها يجب أن تفسر وتقدم بشكل أفضل.

ويطمع العرب إلى ما هو أكثر من قرار الأمم المتحدة الرقم 1515الصادر في 2003والذي اكتفى بالإشارة إلى المبادرة العربية في سياق تناوله لخارطة الطريق .

لذلك يبدو أن التحدي القائم يتمثل في استصدار قرار من الأمم المتحدة يتبنى المبادرة العربية كحل مطروح ضمن حلول السلام في الشرق الأوسط ومن ثم طرحه دولياً بوصفه الخيار العربي الوحيد للسلام . نص كلمة الملك عبدالله لقمة بيروت