في سماء افريقيا ليس هو الناقد
الناقد علي الشدوي يصدر رواية "سماء فوق إفريقيا". يشارك في أمسية قصصية. ما الذي تغير في قناعات علي، وأصبح يقدم المبدع في داخله الآن؟ ما حدث ليس تغيرا في القناعات، فأنا ما زلت أرى نفسي قارئا أكثر منه كاتبا ومتذوقا أكثر منه ناقدا، لكن أحيانا نجلس لنكتب شيئا فنكتب غيره، يقال أن ديستويفسكي جلس ليكتب مقالا تعليميا يحارب الإدمان على الكحول في روسيا فكتب رائعته (الجريمة والعقاب)، بالتأكيد لست كديستويفسكي، لكنني أردت أن أدون شيئا عن شرق إفريقيا، شيئا يشبه ما كتبه إلياس كانتي في مذكرات رحلته إلى مراكش. لقد فتنت بتلك المذكرات وما زلت آمل أن أعيد كتابة ما شاهدته في شرق إفريقيا على غرارها، حياة مرصودة بوضوح وبساطة ودقة وبذهن منضبط في لحظات فريدة ومنتقاة. على كل حال، ربما لا ينظر البعض إلى (سماء فوق إفريقيا) على أنها رواية بالمفهوم المتعارف عليه، لكنها محاولة لتأمل الحياة (هناك) بطريقة تجعلها لا تحيل إلى شيء وراء كتابتها، في الوقت الذي تعبر فيه عن (هناك) إلى حد أنه ليس ممكنا الإمساك بما يمكن أن تحيل إليه. وأنا أكتبها كنت فيما يشبه مختبرا إبداعيا أختبر فيه كل شيء، أسرد وأتأمل وأجرب الكلمات والتعبيرات، في البداية لم أفكر في نشرها، نظرت إليها على أنها متعة إلى جانب عملي في إنجاز كتاب (جماليات العجيب والغريب) وبعض الدراسات والقراءات التي تلقى أو تنشر هنا أو هناك. بعد أن انتهيت من كتابتها أطلعت عليها بعض الأصدقاء، شعرت أنهم لم يتحمسوا كثيرا لها. كالعادة هناك (لكن) بعد كلمة (جيدة) لكن يحيى سبعي كان الحاسم، حملها معه إلى بيروت وعرضها على أكثر من دار نشر، أيضا لم تتحمس لنشرها تلك الدور، ولم أكن أرغب في دفع أي مبلغ، بقيت معه ما يقارب السنة حتى هاتفني بأن مشروعا يقوم عليه الأستاذ عادل الحوشان سيتبنى نشرها. فرحت وفي الوقت ذاته قلقت، قلقت لأنني لم أكن واثقا من أنها يمكن أن تستحق أن يدشن بها مشروع رائد كمشروع (طوى )، الآن لا أعرف ردود أفعال القراء عليها، وإن كان هناك ردود أفعال من أصدقاء في صالح الرواية، أحد الأصدقاء قال إن هناك قارئا سيعيد قراءتها، قلت له يكفيني هذا القارئ.
هل أفضي لك بسر؟! أردت أن أكتب ما لم يكتبه (عصفور) بطل رواية (هموم شخصية) للياباني (أوي كنزابورو) الذي جمع العدة ليؤلف كتابا عن إفريقيا لكن مولوده وظروف ولادته منعته من الذهاب إلى إفريقيا لتأليف الكتاب بالرغم من شرائه حتى الخرائط. أعرف أن عصفور لن يذهب قط إلى إفريقيا بالرغم من وجوده حيا في الرواية، وأنا الذي ذهبت وألفت، والمشروع ما زال مفتوحا، فربما أعود يوما إلى كتابة (سماء فوق إفريقيا) العنوان الذي اختاره (عصفور) كما يستحق أن يكتب.
عوالم "سماء فوق إفريقيا" تنحصر في رجل يركب الحافلة التي تتجه إلى حي بلبلة، ويتأمل الوجوه، ثم يدون هواجسه. لماذا هذا العالم الضيق لبطل الرواية؟ منذ فترة طويلة وأنا مشغول بالوجوه، هناك أصدقاء اطلعوا على نصوص قصيرة تصب في هذا الاتجاه، أحدهم عبده خال الذي شجعني على الاستمرار في كتابة تلك النصوص، وفي جلسة خاصة منذ سنوات طلب منا أنا وأيمن يسري أن نتحدث عن الوجوه بحكم أن أيمن اشتغل عليها تشكيليا فترة ما. أعتقد أن الوجوه تختصر البشر: أحزانهم وأفراحهم، علتهم وصحتهم... الخ هي هويتهم، والقدماء حينما يريدون محو هوية الشخص يمحون وجهه. لقد اعتقدت وأنا أكتب الرواية أن التركيز على الوجوه وتأملها سيغني عن الإسهاب في وصف التكوينات الاجتماعية والنفسية والجسدية للشخصيات؛ فوجوههم تختصر هذا كله، لست واثقا من أنني نجحت في هذا، لكنني اعتقدت أنها فكرة يلزم أن ينتبه إليها الروائيون، نحن نعرف الآن وتحديدا في الحياة و في الرواية أن (أنا) الشخصية أي عالمها الداخلي أو (فعلها) أي عالمها الخارجي وما يترتب عليهما هو ما يميز أحدنا عن الآخر، أو شخصية روائية عن الأخرى وعلى احدهما أو هما معا يشتغل الروائي، وما يترتب على ذلك من وصف نفسي أو اجتماعي أو جسدي الخ.
ولكي أخرج عن هذين فالوجه هو الأفق الذي يمكن أن يتيح لي مجالا آخر للاشتغال على ما يميز الإنسان، لأن قيمة الوجوه تكمن في أنها تميز ونشير معا إلى الإنسان، وهي علامات مرئية تجعلنا نعرف أسرار الآخرين الداخلية والخارجية، وبالتالي فخاصية الوجوه ليس في أن نراها فحسب، إنما أيضا في أن نؤولها، وتأويل وجه ما وتأمله يعني أنه يحيل إلى شيء مختلف، بهذه الأفكار تقريبا تعاملت مع الوجوه الإفريقية، تعاملا يمكن أن أوصفه بمن يتعامل مع أسرار تحمل ذاتها على السطح.
بطل الرواية رجل مثقف... وبرغم عمق فلسفته لا يمكن أن نحدد مواقفه من الأشياء. لكنه يخضع لغرائزه، حيث تنحصر علاقاته بفتيات حي بلبلة. ألم يكن لهذا البطل سعة بأن يتساقى الحياة مع شخوص أخرى في تلك المدينة ؟
معك حق، هو لا يحدد موقفه من الأشياء، لكنه يتخذ موقعا متميزا يطل من خلاله على فجوات في إدراكه لنفسه، لقد كان وحيدا ومعزولا، والوحدة تحرك الغرائز المنسية، وتعيد إلى الذاكرة رغبات هامدة. هناك عمى أخلاقي مريع يصل فيه إلى حد الرعب، ويتخلص منه غالبا بما يريد أن يهرب منه، وأخطاؤه التي يقع فيها تولد لديه الرعب، وفي هذا كله مادة تدفعه إلى أن يفكر في الحياة أكثر من الكتب. تذكر موقفه من الكتب والقراءة ومن خلود الكتاب، هو موقف محصن من سفسطات الإنسان المثقف، يحاول من خلاله أن يبحث في الحياة وليس في الكتب، يبحث عن معنى أو بداية أو حتى بقايا عمل. لا أتذكر الآن من قال "إن الشخص المثار جدا هو أقل مهارة وهو يجري وراء اللذة دامجا كل الملذات التي يسبقها، وقد كان هو كذلك، لذلك لا نستغرب إذ انتهى مترددا وبطيئا وهرما كسلحفاة.
ذو الأذن المقطوعة يتخلق في الرواية إلى ما يشبه اللغز. هو الشخصية الأكثر حضورا. دعني أسألك أي سر وراء تلك الشخصية؟ أنت قلت يتخلق في الرواية إلى ما يشبه اللغز، هذا صحيح، لذلك فحل هذا اللغز يفسده.
علاقة رجل مثقف بنساء من تلك الشريحة يخلق علاقة فيها الكثير من التناقض. لم نجد هذا التضاد. ولم نجد ما يمكن أن نسميه حضورا حقيقيا لملامحهن. هب يعود الأمر إلى فقر في تلك الشخصيات النسوية بحيث لا تتحمل سوى أن تكون حكاية عابرة؟ النساء هن النساء؛ لذلك لا تضاد ولا تناقض، والحضور الحقيقي لملامحهن يكمن في وجوههن، لا أريد أن أعود إلى ما قلته سابقا عن الوجوه، سأكتفي فقط بهذا المقطع الذي ورد في الرواية... "مزيج غير قابل للمزج يجري في حي بلبلة، تلك هي الصيغة التي توصلت إليها، وأنا أتذكر بشرا يتبولون على طرف الطريق، ويسيرون شبه عراة، عور ومشوهون،.. ذابلة في قمصان وسخة، وأخرى مكتنزة في قمصان مغسولة ونظيفة، وجنات تنضح بالصحة، وأخرى بارزة من النحول، شفاه مصبوغة بألوان وردية وبنفسجية، وأخرى جافة ومتشققة، نساء قصيرات وممتلئات، وأخريات طويلات حتى أن رؤوسهن تبدو صغيرة لطولهن، قطط هزيلة تتمسح بالمارة، وأخرى وحشية تنظر بمكر من تحت الطاولات الخشبية المخلعة".
اللغة في الرواية أستطيع أن أقول إنها لغة دقيقة جدا. أشعر أن هذه الدقة جعلت مسألة التداعي في السرد محدودا. هل توافقني في هذا الأمر؟ لم أكن مهموما بالتداعي، التداعي يعني أن أسرد أفعالا وممارسات وأقوالا بغض النظر عن أهميتها أو قيمتها أو تنظيمها أو تسلسلها المنطقي في الرواية. ثم إني وبحكم تكويني اللغوي لا أميل إلى الانثيال اللغوي، أحب اللغة البسيطة والمباشرة، ولا أحب الكتابة بلغة طنانة، حينما أسرد أحب اللغة التي تعرف القارئ بما حدث وليس من أجل أن تؤثر عليه بلغة بليغة ومنمقة، اللغة التي لا تجهد القارئ بلغة متحذلقة، وتصف الأحداث وصفا مباشرا من غير أي رطانات بلاغية. أردت أن تكون لغة الرواية لغة حية وواضحة، ولا تستخدم الكلمات الغريبة أو الغامضة، وحاولت قدر ما أستطيع تجنب الألفاظ الكبيرة والمدوية، وأن أسرد ببساطة ومن غير أي تلوينات بلاغية، وان أستبعد من الكلمات ما هو فائض وغير ضروري، وأن أتجنب الكلمات التي تذكر القارئ بي أنا الكاتب. لم أكن أهدف إلى أن أحوز إعجاب القارئ بمعجمي أو تركيباتي اللغوية، ولم أحاول حاول أن أقنعه بهذا النوع من اللغة، بل حاولت أن أسرد ببساطة ووضوح وتواضع وحيادية، وهي طريقة ما زلت أعتقد أنها أن تساعد القارئ على أن يتعرف ما يدور ولا تعطي وزنا أكثر من اللازم لغير ذلك. ولكي أحتفظ باهتمام القارئ استخدمت الأفعال الواضحة والمألوفة، وحاولت قدر ما أستطيع الابتعاد عن المصطلحات والمفاهيم ما لم يوجد حاجة ماسة إليها في الرواية.
هناك تكرار في الرواية. ذكر ملامح الفقر والبؤس والحياة التعيسة. هل شعرت أنك تكرر تلك المفردات؟ لا. لم أشعر، ربما لتركيز اهتمامي على البسيط كما قلت لك، وعلى كل حال فأحيانا تستخدمنا الكلمات من غير أن نشعر، نكررها من غير أن نعرف أننا نكرر، لذلك فنحن بمعنى ما ببغاوات.
بعد قراءة الرواية. هل سيجد القارئ مغايرة بين الآخر الأوربي، الآخر العربي في رؤيتهما للمكان الإفريقي؟
هذا سؤال دقيق ومهم، سأتركه للقارئ الذي قرأ إنتاجين: العربي والغربي عن إفريقيا.


التعليقات