في القرآن الكريم لم ترد كلمة قبيلة سوى مرة واحدة وفي صيغة الجمع (قبائل)، وجاءت معطوفة على كلمة شعوب ولاحقة بها، وقد وردت في سياق حديث كلي عن الناس - كل الناس - وعن خلق الله للناس على خاصية اجتماعية تعارفية، مع تحديد القيمة الأخلاقية التفاضلية بالأكرم وهو الأتقى، وكذا الحال مع كلمة شعب التي جاءت هي الأخرى لمرة واحدة وفي صيغة الجمع، ولو قارنا هذا بكلمات أخرى من مثل كلمة كريم وكلمة تقوى كما وردتا في القرآن لوجدنا البون الشاسع في عدد تكرار الكلمات، مما يعني دلالات وعدم مركزية دلالات أخرى، وإذا جاءت كلمتا قبائل وشعوب مرة واحدة فقط فهذا يشير إلى أنهما صفتان طبيعيتان وليستا خاصتين معنويتين، ولو كان لأي منهما خصوص معنوي لكثرت الإشارة إليهما كما هي حال كل الدلالات القيمية والأخلاقية والدينية في القرآن الكريم.

وللعودة مرة أخرى لنص الآية الكريمة، وهو: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبير)، سنرى أن الآية أشارت أولاً إلِى مسألة قطعية في طبيعتها وهي خلقنا من ذكر وأنثى، وليس منا أحد ليس من نسل رجل وامرأة، وتساوينا القطعي في هذه المسألة يجعلنا على صفة واحدة مشتركة وليس لأحد منا مجال لأن يفخر أو أن ينبز أحداً في هذه المسألة، والكل أتوا من ذكر وأنثى، ويأتي بعدها ما جعلنا الله عليه من شعوب وقبائل، فالله خلقنا من ذكر وأنثى ومثل ذلك جعلنا شعوباً وقبائل، والتساوي بين كوننا من نسل ذكر وأنثى سيوازيه تساو مماثل تمام المماثلة في كوننا من شعوب وقبائل، وكما أن كل واحد منا له أب وأم ولا نختلف في ذلك فإن كل واحد منا هو من شعب أو من قبيلة ولا فرق هنا كما لا فرق في مجيئنا من ذكر وأنثى، والمسألتان معاً هما في حكم واحد، وهما معاً قانون طبيعي له حكم القطع والتساوي، والرابط فيهما معاً هو علة التعارف.

إننا هنا - إذن - نتعامل مع سمة طبيعية ذات بعد إنساني يتعلق بمعاش البشر، أي شرط التعارف لمن هم ناس وخلق، وفي الخطاب الديني كله لا يتجاوز الأمر ذلك، ولقد تحددت العلاقة الإنسانية لحق القبيلة في حياة الفرد في الحديث الذي رواه ابن ماجه فيما تناقله الرواة عن امرأة سمعت عن أبيها أنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم - 2997).

وفي هذا الحديث تحديد دقيق للعلاقة الطبيعية ما بين الإنسان وشعوره الوجداني نحو قومه وأهله، بين أن يحبهم وهذا حق طبيعي وشخصي وبين أن يجعل علاقات القربى سبباً في ظلم الآخرين، ولو ظلم بسبب هذه القربى لكان خالف كل تعاليم الدين وقيمه، ولقد أورد ابن ماجة حديثاً آخر قبل هذا الحديث عن رجل يقاتل تحت راية العصبية القبيلة فيكون عمله جاهلياً (2996)، كما أن سورة الحجرات، وهي السورة الوحيدة التي وردت فيها كلمة القبائل، هي سورة تركز خطابها على الذين آمنوا في بيان أخلاقي يحدد مواصفات هؤلاء، وهي مواصفات تبدأ بالتقوى ثم غض الأصوات بأدب في أخلاقيات الخطاب وعدم الغلظة في القول، ثم الصبر في طلب التواصل البشري، مع التشديد بالنهي عن اعتماد النبأ الفاسق، مع ضرورة التدقيق في المنقول من الأخبار كي لا نقع في جهالة علمية وخلقية، ومن صفة المتقين هؤلاء تجنب العنت لكي يكون الإيمان زينة في القلوب ومحبة عميقة في النفس، والنفس المؤمنة المحبة ستكره الكفر والفسوق والعصيان، وذلك في تقابل مع النفس ذات الصوت اللين والتقية المتجنبة لأبناء الفساق لأجل أن تكون نفساً راشدة تسعى بالخير بين طوائف المسلمين وتعين الطائفة المظلومة وتنتصر للحق، ويكون هدفها الصلح حسب قوانين العدل والقسط لتشملها محبة الله، تحت راية الأخوة الإيمانية، وهي شروط في التقوى، مثلما أنها تتطلب الإنصاف فلا يسخر قوم من قوم، وحينما سخر أبو ذر وعيَّر رجلاً بأمه الأعجمية سمع كلمة الإرشاد والأدب النبوي الطاهر: إنك امرؤ فيك جاهلية، على أن التسامي عن السخرية شرط في النساء كما هو شرط في الرجال، وليس الفسوق سوى ناقض من نواقض الإيمان وبئس به إذا ما تمثل في السخرية من الناس واللمز بهم والتنابز بالألقاب، ويأتي في سلم النهي ما تقع فيه النفس البشرية من سوء الظن وهو إثم، وكذا ما تمارسه النفس الشريرة في التجسس والغيبة، مما لا حل للخلاص منه إلا بالتقوى.

كل هذه صفات ترد في السورة الكريمة كشروط للتقوى، وهي صفات نلاحظ أنها من أكثر صفات البشر شيوعاً، ومن ديدين البشر أن يمارسوا كل هذه الأنواع من الشرور اليومية، ولذا تزداد حاجتهم إلى التقوى للتخلص من هذه الآثام.

وإذا اعترفنا بأن هذه الآثام هي سمات بشرية واقعية وتصورنا ورودها في الآية الكريمة وبجانبها صفة الناس المخلوقين على شاكلة شعوب وقبائل، إذا تصورنا هذا فسندرك أن الصفات الملازمة للطبع البشري، مع سمات السلوك الشعبي والقبائلي هي كلها سمات طبيعية وأصلية في البشر لا بوصفها خصالاً حميدة ولكن بوصفها سمات واقعية، هذا من جهة، ثم من جهة ثانية لا بد أن نستحضر الخطاب القرآني الذي يورد هذه السمات متجاورة مع الدعوة إلى الخلاص منها ومع الإشارة إلى طريق الخلاص، وهذا التصور بصيغتيه سيكشف لنا أن السمات هذه هي سمات في الطبع البشري مثل أن تكون فرداً في شعب أو فرداً في قبيلة، أو أن تكون ذا ظن سريع وتصدق ما تسمع بلا تدقيق وترفع صوتك وتعلي من وتيرة جدلك، أو أن تنتصر لنفسك ولبني عمك ولخاصة ثقافتك، كل هذه أمور بشرية سلوكية واقعية بما أنها طبع بشري، ولكنها مع واقعيتها وبشريتها فهي قيم سلبية، وأنت مندوب لطلب المسلك الخلقي المثالي، وفيك ما فيك مثلما كان مع صحابي جليل كأبي ذر، وكلنا أبو ذر في شيء أو آخر من صفاتنا السلوكية، وهذا الرجل الذي بقي فيه بقية من جاهلية هو نفسه من يعيش وحيداً ويموت وحيداً ويبعث يوم القيامة في أمة لوحده، وذلك من شدة فضله وقوة زكاء نفسه، بعد أن نجح في تزكية نفسه بالأدب النبوي القويم فصلح وأفلح وتنظف من بقايا الجاهلية.

في كل واحد منا شخص جاهلي، وفي مضمر كل واحد منا جاهلية من نوع ما، وكم نخلط بين شروط المحبة وقيم التواصل وبين نوازع الغطرسة والتعالي، وفينا من هذا وهذا، ولذا فالقبيلة هي سؤال أخلاقي بالدرجة الأولى، سؤال بين الثقافة والتاريخ والشرط البشري من جهة، وبين أدلجة هذه الثقافة وتحويلها إلى قانون عرقي وعناصري تفاضلي، وإن كان الأصل هو التكوين الطبيعي الضروري لحياة البشر، فإن العلة هي أن يتحول هذا التكوين من شرط إنساني للوجود إلى شرط في إنسانية البشر، حتى ليصبح من هو غير قبلي وكأنما هو إنسان ناقص.

ولقد جاءت الآية الخاصة بتقسيم الناس على شعوب وقبائل جاءت في صيغة خطاب إخباري (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل)، بينما جاءت آيات التقوى بصيغ الأمر والنهي، مما يعني طبيعة التقسيم وتلقائيته فيما يخص طبيعة الناس، في مقابل حساسية موضوعات التقوى وقوة مراميها. وقد بلغ عدد أفعال الأمر والنهي في هذه السورة عشرين فعلاً في أكثر من عشرين توجيهاً أخلاقياً. بينما لم ترد كلمة الشعوب والقبائل في القرآن كله سوى مرة واحدة، حيث هي مسألة قانون طبيعي لا خلاف فيه.

وأشير هنا إلى أن الآية الكريمة تحيل إلى ما في علم الله جل وعلا من أن تكوينه لنا على شاكلة شعوب وقبائل سوف يعتريه انحراف عن أصله الفطري، ولذا ختمت الآية بوصف الله لنفسه بأنه (عليمٌ خبير) فهو عالم بنا وخبير بشأننا، نحن الذين يظن بعضنا أن أباه وأمه أرقى من آباء غيره وتظن بعض الشعوب أنها أرقى من شعوب أخرى مثلما قد تظن بعض القبائل أنها أرقى وأسمى، ولعلم الله أننا كبشر سنقع في ذلك جاءت الآية الكريمة لتركز على غاية تقسيمنا إلى شعوب وقبائل، وكذا لتحذرنا من الظن الإثم ومنه أن نظن لأنفسنا أفضلية مدعاة، وهذا ما هو حادث بالفعل، حيث تتخلق سلالم تفضالية مبنية على العرق وعلى اللون وعلى تصور نقاء مفترض للدم وللنسب، وهذا على وجه التحديد ما تحسمه الآية من تقرير معنى التعارف، في مقابل التأكيد على أن الأفضلية ليست شعوبية ولا قبائلية، ولكن الأكرم هو الأتقى. وهو قانون عملي أخلاقي يجعل الأفعل هو الأفعل. أي قانون العمل والإنتاجية وارتباط الذات المفردة بسلوكها الذي يصنع قيمة شخصية للفعل والفاعل.

ملحوظة: في المقال السابق كنت أقول في مفتتح كلامي: (إن الحديث عن الإسلام والقبيلة هو حديث في الصميم الثقافي). وقد سقطت كلمة القبيلة وجاء النص ليبدو وكأنه كلام عام عن الإسلام كله، كلما حدثت أخطاء مطبعية لعلها لم تفت على ملاحظة الأعزاء من القراء والقارئات.