الشيء المثير للانتباه في شعر أبي تمام ميله إلى الوقار والتعقل والواقعية إلى جانب علاقته الوثيقة بالصبر والدعوة إليه، أما الأولى فلحر ما يجد من لوعات وغير ونوائب، وأما الدعوة إليه فللتطهر من العجز تارة، والتسلي به عن أشجانه تارة أخرى، على ما فيه من كرم طباع وحسن خلق يدفعانه إلى الارتقاء بتجربته إلى مستوى إسعاد غيره وإرشاده الناس إلى أهمية الصبر للتخفيف والتهوين من أعباء تحملوها ولتطلب المزيد من ثواب الصابرين.

ولعل الأكثر إثارة حضور الموت بشكل بارز في جميع أغراضه الشعرية فهو ما ينفك يذكره مادحاً أو واصفاً أو متأملاً بل حتى هاجياً ومتغزلاً، لقد برز لي أن هذا الشاعر لا يمكن أن تصدق فيه روايات تنافي الوقار والعفة والتأمل والتعقل والتصبر وإرشاد الناس، فلا يليق - فيما أرى - بحامل هذه الأوصاف أن يُرمى بقصص التغزل في الغلمان والمردان كما اختلقت عليه في مقطوعات، ولا يليق بشاعر يشغل الموت مساحة كبيرة من تفكيره ان يغرق في اللهو ويتهابط إلى مصاف الرعاع الشهوانيين، وإن بين الفريقين لبونا شاسعاً، فشتان بين متأمل يولي العقل والوعي قياد أمره، ومؤمل ترك القياد لشهواته ونزواته وخفة التفكير، ما الذي يربط بين هاتين الشخصيتين إلا أن يكون وراء هذه الروايات المختلقة مَنء وراءها، وقد علمنا ان هناك من الشعراء من أوغر صدره عليه او حاربه لمخالفة المنهج القديم، أو لالتزامه وتعقله وترفعه، ومنهم من خالفه لكونه أكثر شعراء بني العباس حصداً لجوائز الخلفاء وحظواتهم وهداياهم، وإن شاعراً يترفع عن غباء المال ويتنزه عن الطمع فيه، ويهديه لمن يحتاجه لجدير بالترفع عما سوى ذلك من مغريات الحياة، إذا ما أدركنا أن المال من أكثر الأشياء جذباً وإغراء للإنسان، ثم تأتي فتنة النساء وإغراؤهن، لذا لا نجد أبا تمام يولي الغزل بهن كثير عناية وكانت قصائده في الغزل أقل بكثير من غيره من الشعراء، بل لقد وجدنا في غزلياته ما يعكر عليه كل صفو في الحياة اذ كثيراً ما يشرك الموت بجواره وكأنما كان رفيق دربه في معيشته وأشعاره.

ودعوني أتجه إلى مخرج آخر لكي اثبت ان ما حيك لأ بي تمام وما قيل فيه قابل للبحث والإنصاف، فإنه مع ما أجده من أهمية في التزام الشاعر الخلال الحميدة والصفات الكريمة وبعده عن موبقات المروءة، ومع ما أرى من أن القارئ من حقه أن يقرأ لجميع الشعراء وينتقي من بحورهم الدرر ويترك الزبد، ومع إيماني بأن الشاعر الذي يبقى هو الشاعر الأحق بالبقاء فسأضع بعض اتهاماتهم له موضع تسليم، من ذلك ضعف دينه، او عدم انتسابه إلى قبيلة طئ، أو خروجه على عمود الشعر أو سرقاته أو تحطيمه للقانون اللغوي، وتجاهلت ميل أبي تمام إلى المزاح والسخرية حتى في غير موضعها، فإنه اذا تم التسليم بحدوث وتحقق كل هذه التهم مجتمعة، فيحق المتعقل المتأمل أن يسأل: فأين سياط النقد القاسي هذا من أبي نوّاس في تغزله وتفحشه، وأين ذلك من عمر بن أبي ربيعة، وأين ذلك من بشار بن برد مع أنه قتل بسبب زندقته، وأين ذلك من الأخطل الشاعر النصراني الذي قدم على كثير من شعراء عصره، وأين ذلك من جرير الذي عانى من وضاعة أبيه، وأين ذلك من مسلم بن الوليد الذي خرج على عمود الشعر قبل أبي تمام، وأين ذلك من الشعراء الذين اخذوا عن أبي تمام وهم كبار شعراء العربية كالبحتري والمتنبي وأبي العلا المعري ولم يتهموا بالسرقة كما اتهم بها أبو تمام، وأين كل ذلك من نقد الآخرين الذين اجتمع لديهم أو تفرق مثل ذلك، لم لم يصطف الغلاة من الرماة لنبلهم هدفاً غير أبي تمام إلا أن يكون الإيغار والغيرة والحمل عليه.

ولله در المتنبي إذ يقول:

ومن يك ذا فم مر مريض

يجد مراً به الماء الزلالا

nrshdan@alriyadh.com