قرأت في جريدة "الرياض" يوم الثلاثاء 16صفر 1427العدد 14134مقالاً بعنوان "الانتماء القبلي كيف يفعل لمصلحة الوطن؟" ناقش فيه عدد من المسؤولين ومشايخ القبائل ووجهاء وأعيان عسير أن القبيلة تمثل جزءاً مهماً من تركيبة المجتمع السعودي وكيفية تفعيل دور القبيلة وتطويره ليساهم في تنمية المجتمع.

والحقيقة أن الموضوع أثار اهتمامي كثيراً لإحساسي بتخوف البعض من ضعف سلطة القبيلة في السنوات الأخيرة وأن هناك توجهات إلى تقليص دورها وتهميشها.

ويرى هؤلاء أن القبيلة جزء أساسي من بناء المجتمع يجب أن نحافظ عليه، وأن مجتمعنا السعودي مجتمع قبلي وستظل القبيلة هي أساس تركيبته الاجتماعية.

في حين يرى آخرون أن القبيلة تتعارض مع الوطنية، وأن الإسلام جاء لينهى عن التعصب القبلي، وأن الإنسان يجب أن يقيم لذاته لا لقبيلته، وأنه يجب أن نلغي مفهوم القبيلة من قاموسنا اللغوي. ومع أن القرآن قد اعترف بوجود القبائل إلا أنه وضح الهدف من وجود القبائل هو التعارف، لكن الأفضلية للتقوى ويبدو ذلك جليا في قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

والواقع أنني كمتخصصة في علم الأنثروبولوجيا أرى أن من المبادئ الأولية لهذا العلم هو التأكيد على مبدأ النسبية الثقافية، وأنه لايحق لأحد أن يقرر للآخرين حياتهم وما يجب أن يفعلوه، فالصح والخطا نسبي، وما يعتبر صواباً في مجتمع قد يعتبر خطأ في مجتمع آخر، وما هو مرفوض اليوم قد يصبح مقبولاً غداً؛ أي أن القيم تختلف باختلاف الزمان والمكان. لذا فإن أهم مبدأ يجب أن نطبقه في حياتنا هو احترام قيم وآراء الآخرين.

وقضية القبلية ودورها في المجتمعات التقليدية قضية هامة استحوذت على اهتمام الكثير من الأنثروبولوجيين أمثال ايفائز بريتشارد ورادكليف براون ومالينوفسكي. بل إن من أوائل العلماء العرب الذين اهتموا بالعصبية القبلية وبحثوها بتعمق العالم العربي ابن خلدون في مقدمته. إذ أكد على أهمية العصبية القبلية وربطها بالبناء الاجتماعي وبحركة التاريخ السياسي، وقد نجح ابن خلدون في تحليل مفهوم العصبية ودورها الهام في بنية المجتمع البدوي حين قال: "اعلم أن مبنى الملك على أساسين لابد منهما فالأول الشوكة والعصبية وهو المعبر عنه بالجند، والثاني المال الذي هو قوام أولئك الجند وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال والخلل" (ابن خلدون المقدمة. ص. 295) بمعنى أن الدولة تقوم على دعامتين هامتين: العصبية والمال. لكن مفهوم العصبية هنا كان عصبية كبرى جامعة للعصائب وهي عصبية صاحب الدولة الخاصة من عشيرة وقبيلة، أي أن ما يقصده من عصبية هنا توازي مفهوم المواطنة في عصرنا الحالي.

كما ناقش ابن خلدون في كتابه الدور الذي تلعبه العصبية في الحياة الاجتماعية، ورأى أن فكرة العصبية مرتبطة بفكرة الوازع الذي يعتبر القوة المحركة للمجتمعات. فالطبيعة البشرية تتطلب وجود وازع يحرك الناس لفعل الخير أو الشر، والوازع الذي تحدث عنه ابن خلدون هنا هو الوازع الاجتماعي، وليس الوازع الأخلاقي، فكان يرى أن الإنسان شرير بطبعه، والاجتماع ضرورة طبيعية تفرضها الظروف على الإنسان ليعيش بسلام مع الآخرين. والعصبية ضرورية لاتحاد أفراد المجتمع الواحد ضد غيرهم من المجتمعات.

والعصبية عند ابن خلدون هي رابطة طبيعية تشد أفراد القبيلة أو الجماعة الواحدة مع بعضهم البعض للدفاع ضد المعتدين عليهم. فالعصبية هنا لاتعني رابطة اجتماعية تربط أبناء القبيلة أو العشيرة فقط، بل هي رابطة تربط أفراد المجتمع الواحد حتى في المدينة وتدفعهم للترابط معا ضد أي عدوان خارجي، ومن هنا نلاحظ أن ابن خلدون ركز على الجانب السياسي للعصبية.

لكن تجدر الإشارة هنا إلى أنه على الرغم من النظرة الإيجابية لابن خلدون نحو العصبية، نجد أن الإسلام كان له رأي آخر في العصبية، فالإسلام نبذ العصبية القبلية والتنابذ بالألقاب لأنها تؤدي إلى التنازع والفرقة والفشل، فمن العادات الشائعة في الجاهلية العصبية القبلية التي تقوم على التفاخر بالحسب والنسب والتضامن مع أفراد القبيلة الواحدة ضد الآخرين حتى وإن كانوا على ظلم تمشياً مع القول الشائع "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، فكان الإنسان يحرص على نصرة أبناء عصبته حتى وإن كانوا على خطأ أو في عدوان على الآخرين تمشياً مع المثل الشعبي القائل: "أنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب".

ولاشك في أن القبيلة كانت تلعب دوراً هاماً في المجتمع السعودي التقليدي قبل النفط. فقد كانت القبيلة وحدة اقتصادية وسياسية واجتماعية واحدة، وهي التي تحدد مكانة الفرد، وهي التي تحدد تحركات أفرادها وتنقلاتهم من مكان إلى آخر، وهي التي تحمى الفرد من أي خطر خارجي، وإذا ما تعرض أي فرد لخطر فعلى جميع أفراد القبيلة نصرته. ومع عدم وجود دولة واحدة في ذلك الوقت، كانت القبيلة هي مصدر الأمان والحماية للفرد، لذلك كان ولاء الفرد الأول والأخير للقبيلة، وكان الفرد يؤمن بأن بقاءه من بقاء القبيلة فكان مستعدا بأن يضحي بحياته في سبيلها، لأنه يستمد وجوده من وجودها.

لكن بعد قيام الدولة السعودية وتوحيد المملكة أدرك الملك عبدالعزيز بحنكته وذكائه أنه من الصعب قيام دولة قوية مع تنقل البدو المستمر من مكان إلى آخر، فشجع على توطين البدو وبالفعل استقر الكثير من البدو في هجر اختاروها بأنفسهم في جزء من أراضيهم وكونوا ما يقرب من 220هجرة وأمدهم الملك عبدالعزيز بالمعلمين والشيوخ ليعلموهم أمور دينهم، والفصل في قضاياهم على أسس شرعية، وأقام لهم المدارس والمستوصفات وبعد فترة تطور الكثير من هذه الهجر إلى قرى، كما انتقل الكثير من سكان القرى للاستقرار في المدن الكبرى كالرياض وجدة والدمام وانخرطوا في هذه المجتمعات وأصبحوا جزءاً من كيان الدولة.

حاول الملك عبدالعزيز احتواء شيوخ القبيلة وجعلهم جزءاً من بناء المجتمع فعين الكثير من شيوخ القبائل أمراء على مناطقهم أو قادة الوية على قبائلهم في الحرس الوطني وصرف لهم مرتبات مجزية. مما يعني أنهم أصبحوا موظفين في الدولة، وهذا غير من أدوارهم القبلية، فلم يعد شيخ القبيلة هو المسؤول عن حماية أفراده، بل أصبحت الدولة هي المسؤولة عن حماية مواطنيها، ولم يعد أفراد القبيلة يعملون معاً كوحدة اقتصادية، بل أصبح كل فرد يعمل في مجال مختلف عن الآخر باختلاف شهاداتهم وخبراتهم، ومن هنا نلاحظ أن شيوخ القبائل فقدوا الكثير من أدوارهم ومسؤولياتهم، وفقدت القبيلة الكثير من وظائفها السياسية والاقتصادية وأصبحت الوظيفة الأساسية للقبيلة وظيفة اجتماعية معنوية، فمازال الكثير من الأفراد ذوي الأصول القبلية يتمسكون بأصولهم وانتماءاتهم العرقية كنوع من حب الانتماء والاعتزاز بالنفس، وحب الانتماء ليس عيباً فهي غريزة طبيعية لدى الإنسان.

وأهم الوظائف التي مازالت تقوم بها القبيلة هي أنها وسيلة للتعارف الاجتماعي، فمازال البعض يحرص على معرفة أصول الفرد العرقية عند التعارف على الاخرين، كما أن الحكومة مازالت تستعين بشيوخ القبائل لتتبع بعض أفرادها، بالإضافة إلى أن العلاقات القبلية مازالت تلعب دورا هاماً في تسهيل الخدمات "الواسطة" في مجال العمل، كما أنها وسيلة للزواج فيحرص أبناء القبيلة الواحدة على الزواج من نفس القبيلة أو قبائل مقاربة لها. وهذا ما ساعد على استمرار القبيلة وسطوتها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن إعادة مكانة القبيلة؟

للإجابة على هذا السؤال أقول إنه من الصعب أن نعيد للقبيلة مكانتها التي كانت عليها، حيث اختلف الزمان والمكان واختلفت المفاهيم واختلفت وظائف القبيلة، وهناك مثل يقول: "إن الجزء الذي لايستخدم يفنى ويزول" فنحن إذا لم نستخدم عضلاتنا ستضعف، وإذا لم نستخدم عقولنا ستصدأ وهكذا، ونفس القاعدة تنطبق على القبيلة، فتقلص وظائف القبيلة أفقدها الكثير من أهميتها لدى الأفراد، فهي يمكن أن تظل كقيمة اجتماعية فقط، ويمكن لهذه القيمة أن تتغير إذا ما تغيرت القيم المتصلة بها وإذا ما أحس الفرد بعدم أهميتها من الناحية الاجتماعية وبأنها أصبحت عائقاً له عن ممارسة حياته بشكل طبيعي، عند ذلك يمكن أن تنتهي القبيلة، وهذا لايمكن أن يحدث من الخارج أو بقوانين من الدولة ولابد من أن ينبع عن قناعة الأفراد، فالقيم المادية عادة لاتتغير بنفس سرعة القيم الدينية أو الاجتماعية، فيمكن بسهولة أن تقنع الفرد بتغيير سيارته أو جواله ولكن من الصعب جداً أن تقنعه بتغيير القيم المتصلة بدينه أو بمذهبه أو كيانه أو جماعته. فاعتزاز الفرد بنفسه أو بعائلته أو قبيلته ليس عيبا ولاحراماً، لكن العيب أو الخطر يظهر عندما يضع الفرد المصلحة القبلية قبل مصلحة الوطن مثل ما يحدث في العراق الآن حيث يكون القتل على الهوية المذهبية أو القبلية مع الأسف الشديد، أو عندما تؤدي نصرة القبيلة إلى ظلم للآخرين، فالعصبية ليست عيباً ولكن الظلم هو العيب، عند ذلك يدق ناقوس الخطر، فالوطن أولاً والوطن آخراً.