القبيلة هي دولة من لا دولة له، ولقد كانت القبيلة أول صيغ التكتل البشري في نظام اجتماعي مصلحي وظرفي، بعد أن كان الإنسان يعيش في ظرف متوحش كانت الفردية المطلقة هي أساسه بحيث يقوم المرء بذاته، يخطف معاشه ويلوذ بحماه بوصفه فردا فطريا، يتأسس بقاؤه على سد رمقه وإشباع غرائزه، وثمن ذلك كله هو الأنانية المطلقة بحيث يستعمل أي وسيلة تؤمن له ذلك.

ثم جاء نظام القبيلة بوصفه عائلة كبرى تضم مجموعة نسبية تشترك في مصلحة موحدة، أولها المعاش العام لكل أفراد المجموعة، وهذا يقتضي نظاما أمنيا خاصا يقوم على الحماية والتعاون، وسقطت الأنانية الفردية لتحل محلها مصلحة الجماعة، التي تحمي الفرد، والفرد في الوقت ذاته يصبح عنصرا حاميا مثلما هو محمي، وعليه شروط وواجبات بالقيام بأمر الجماعة حتى وإن تعارض مع رأيه وفي قصة دريد بن الصمة ما يكشف ذلك حيث رأى غير رأي قومه في إحدى معاركهم، ولم توافق القبيلة على رأيه مع أنه حكيمهم وزعيمهم، وحينما أعياه إقناعهم انصاع لرأيهم، مع علمه بخطل ذلك الرأي، وقال بيته الشهير: وما أنا إلا من غزية إن غوت - غويت وإن ترشد غزية أرشد.

وهو بيت يشير إلى تسليم المرء برأي الجماعة واعتماد الموقف العام حتى وإن رأى وتأكد من خطورة هذا الرأي، ولقد أشار دريد في خمسة أبيات متوالية إلى خلاصة القصة، وهو ما ينفي ما يظنه كثير من الناس من أن البيت دليل على التسليم السلبي وأنه قول يقوله إمعة لا هوية معنوية له، ولقد فصلت القول حول هذا الأمر في كتابي الخطيئة والتكفير ص 91(أو 84في طبعة المركز الثقافي).

وما يهمنا هنا هو أن نظام القبيلة مخترع اجتماعي قادت إليه الضرورة الظرفية وبه تطورت علاقة الإنسان بالإنسان عبر تكوين عصبة بشرية تأسس على علاقات عضوية وثقافية، وهي تكتل اجتماعي يوفر شروط العيش بكرامة لأفراده.

ويقوم النظام القبلي على التساوي، ولا يتميز فيه أحد عن أحد إلا بصفاته المكتسبة، وكلما أثبت المرء شجاعة زائدة، أو أريحية لافتة، أو رأيا سديدا، زادت قيمته، وساد بصفاته هذه، ويرتفع بها، وهذه الصفات هي أهم عوامل الرفع او الخفض، ولقد صارت هذه القيم هي القيم الأساسية في القبيلة، لأسباب عملية ثم ثقافية.

أما العملية فلأن الشجاعة هي الشرط الحربي الذي يشكل للقبيلة مناعة وحصانة أمنية ضرورية لبقاء المجموع محميا ولضمان معاش القبيلة، في حين ان الكرم نظام اقتصادي معاشي يقوم على تبادل الحماية للإنسان، والكرم عندهم كان للضيف الطارئ الذي تجب مساعدته، ولو تصورنا الأمر الواقع لفهمنا ضرورة الكرم الصحراوي، فهو اغاثة وحماية، ولك أن تتصور نفسك في الصحراء جائعا وخائفا وتائها، ورأيت مضارب بادية حولك، فماذا سيجري لك لو أن مفهومي الكرم والضيافة ليسا من المفاهيم الثقافية المعتمدة..!!.

إن ما يحميك من الموت جوعا أو تشردا هو الضيافة، ولذا صارت الضيافة هنا شرط وجود، وهي تبادل إنساني يتعزز عبر بقاء هذه التقاليد الحامية لكل الأطراف وتعتمد الحياة على هذا التقليد، والرجل الذي يستضيفك يهمه بقاء هذه التقاليد لأنه هو بذاته أو بذات أخيه سيقع في مثل هذه الحال، ولو اختفت هذه العادة لصار الموت لأي عابر للصحراء بمن فيهم المضيف نفسه لو صار في مثل هذه الحال، ولكن تبادل الكرم الصحراوي صار هو الحافظ للنوع، ووجبت حماية هذه العادة والاشادة بها من أجل مصلحة الاطراف كلها، وهي وقاية وتأمين نفسي واجتماعي ومعاشي، ومثلما تعطي ستأخذ وبمقدار ما تديم هذه العادة فأنت ستجدها إذا احتجتها، وهي لذلك ليست مجرد ميزة شعرية وتفاخرية، كما يبدو على سطح الاشعار والبلاغيات. إنها شرط وجودي فيه تبادل مصلحي وتأميني أكيد. ولكنها تسربت الى الاشعار بعد ذلك لتبدو ميزة ثقافية بلاغية مغطية بذلك على أصل وجودها وواقعيته العملية والوجودية. ولقد كان للشعر دور تزييفي في مسخ صفتي الشجاعة والكرم، خاصة شعر الحاضرة او الشعر المصاحب لنشوء المدن - كما سأوضح لاحقا، وكما أشرت في كتاب النقد الثقافي.

اما سداد الرأي وقوة البصيرة فهما سمتان ترفعان من مكان المرء في القبيلة لان الرأي يساعد على ضبط علاقات الحياة فيما بينهم، ولقد تميزت زرقاء اليمامة بقوة بصرها وهذا يخدمهم في كشف الأعداء، وجاءت القصة الأسطورية عن تجاهلهم لرؤيتها لجيش مقبل، وأدى عدم تصديقهم لها الى دمارهم، وفي القصة تحذير رمزي عن تجاهل الرأي وخطورة ذلك على القبيلة، كما جرى ايضاً في حكاية دريد بن الصمة حيث تجاهلوا رأيه فهزموا، وفي كل ذلك اشارة رمزية استخدمت أسلوب الحكاية للتحذير من تجاهل الرأي.

يتساوى أبناء القبيلة في اشتراط هذه الصفات، ومن حققها كلها، أو بعضها صار له من السمو بمقدار ما يصيب، وفي قصة شليويح العطاوي ما يشير الى ذلك حيث كان رجلا عاديا مثل اي شخص في القبيلة، وحاول اثبات منزلته ولكن لم يكن على ذلك دليل يقنع جماعته به، ولذا حرموه من المشاركة في الغزو، فما كان منه الا ان جمع افرادا من المتروكين مثله وغزا بهم بقرار خاص منه واختيار ذاتي، ونجحت مغامرته حيث كسب وانتصر وجاء بغنيمة كبيرة من الماشية والابل، وظل على هذه الحال حتى كتب تاريخا أسطوريا لنفسه ولقبيلته.

هذه قيم جوهرية تصنع الفرد من جهة وتحميه وترقيه، مثلما تحفظ المجموع وترقيهم، من جهة أخرى. ولذا إن صفات الشجاعة والكرم تظل هي العنوان الأهم في صورة القبيلة - أي قبيلة -. ولقد جاءت الروايات بمدح رجل من شمر لأنه ذبح للذيب وذلك بعد ان تسرب اليه في ظلمات الليل صوت ذئب يعوي ويتضور من شدة الجوع، وذبح له انقاذا له من الجوع.

يأتي الجوع بوصفه الخطر المحدق بالإنسان مذ كان الإنسان، ولا يسد الجوع سوى العيش (الطعام) ولا يأتي الطعام إلا مع الامان، وتأمين هذا وذاك يحتاج الى عصبة اجتماعية متآزرة، وتتواطأ على معان قيمية تعزز ذلك وتغرسه. وعصبة النسب وابناء العمومة هي أشد أنواع التلاحم البشري في هذه الحال، ولذا جاء النسب ليكون هو الهوية الجامعة والناظمة لهذه العصبة.

تلك هي القبيلة بوصفها شكلا من الاشكال المبكرة لنظام الدولة، حيث الجيش وهو القبيلة كلها، والاقتصاد التبادلي وهو الكرم، والسياسة وهي الرأي السديد والتشاور في مجالس البادية، والثقافة وهي الاشعار والحكايات والسمر.

تلك دولة بصيغة مبكرة، تقوم على حماية نفسها وحماية افرادها، وتأخذ برمزيتها الثقافية، ولكن وكما قلت في بداية المقال انها دولة من لا دولة له، وهي وطن من لا وطن له، وفي ذلك قول سأكمله في المقال القادم - إن شاء الله -.