"غواية المكان" هو العمل الشعري التجريبي الذي قدمه الشاعر السعودي محمد حبيبي بنادي أدبي الشرقية الثلاثاء الماضي والذي مزج فيه بين النص اللغوي الألف بائي، والصورة الثابتة والمتحركة، وأصوات موسيقى معزوفة وأصوات أخرى من الحياة.
لوحات شعرية متعددة الرؤى والمضامين قدمها "حبيبي" جددت الخيبة عن إجابة سؤال هام: كيف نفهم الشعر؟ وهو سؤال يؤكد على أن قراءة النص الشعري الحداثي من الداخل قراءة نسقية صاحبتها أسئلة قلقة، لم يجد جلها إجابات حاسمة لدى حضور الأمسية الذين فاجأتهم التجربة واختلفت ردود أفعالهم ما بين معجب ومؤيد إلى متلبس بحيرة باصطدامه بفضاء لا نهائي ومتشابك ومعقد.
(محمد حبيبي) الذي اتخذ مكانه بين الجمهور كان واثقاً من تجربته ومغامرته فيما يؤكد أن النص الشعري الحداثي يمتاز بأنه "يسبق القاعدة" ويخرق اللغة العادية ويحيد عنها، بل ويضيف إليها عامل الدهشة والإثارة والمفاجأة بحسب أدونيس - وهو ما أحدث لدى المتلقين جمالية الغرابة والغموض وهم يرون الصور المتحركة بأصواتها تتجاوز مع نصوص محمد حبيبي المربكة والذي حاول أن يؤكد في تجربته أن النص الشعري عملية إبداعية داخل نظام لغوي يستجيب بدوره إلى قوانين توليدية لها القدرة على تحويل اللغة وتفجيرها، بحيث لا يقع العمل الإبداعي في التكرار، ويتم حينئذ تحقيق أهم سمة حداثية تتمثل في التجاوز المستمر والخلاق لطرائق الأداء الشعري وهو المعنى الذي طرح ما يشبهه أحد المداخلين.
الورقة النقدية التي قدمها الدكتور أيمن بكر أكدت على أن هذا العمل والتجربة التي قدمها محمد حبيبي تثير أزمة وارتباكاً معتبراً أن أزمة النقد لا تقف عند حدودها وحدود ما وصفه بول دي مان بأنه ضرورة الاتساق مع مبادئ النقد الأولي التي وضعها لنفسه وأنها "أي الأزمة" لا تتوقف عند وجود مسافة ما بين تصورات النقد عن منطلقاته وممارساته الفعلية، فالأزمة بحسب د. أيمن بكر - تبدأ من الحاجة لبلورة مقولات يصح أن تكون منطلقات تأتي بعدها إشكالية الاتساق معها، بعبارة أخرى يحتاج الناقد في هذه التجربة إلى تعديل تصوراته عن مهمته ومراجعة مقولاته المرتبطة بتعريف محدد للأدبي والشعري بصورة عامة يحصرهما في حدود اللغة الألف بائية واعتبر أن عمل حبيبي يفتح إشكاليات متنوعة: أولها ما يتصل بالتصنيف، إذ كيف يمكن أن نصنف هذا العمل؟ هل هو نص شعري مصور بطريقة الفيديو كليب، أم فيلم شعري؟ ليؤكد أن العمل ليس نصاً شعرياً تصحبه موسيقى وصورة كخلفية موازية لدلالة النص اللغوي وشارحة لها فحسب، بل إن الصورة الثابتة والمتحركة التي يستخدمها حبيبي وصوت الناي والصوت البشري وأصوات الحياة، هي في حالات كثيرة جزء من الدلالة لا يتم العمل إلا بها ويستدرك: لكن كلمة فيلم لها أيضاً ظلال مستقرة، ربما تكون مناوئة لسيطرة الحالة الشعرية التي توحي بها كلمة "شعري" إذ ستدخلنا الكلمة في نطاق سرد بصري بالأساس تتحكم فيه رؤية عليا لمخرج مفارق للنص المكتوب كسيناريو، إلى غير ذلك من خصوصيات العمل السينمائي، بما سيلعب دور المزاحم المنازع لحالة الشعري وربماكان طاغياً عليها وقد اقترح د. أيمن تسمية تجربة "حبيبي" بالشعر المرئي أو الشعر العالم وهو ما خالفه فيه الناقد محمد العباس الذي رفض تكرار ما قاله حول تجربة حبيبي باعتباره تناولها في إحدى مقالاته الصحفية واكتفى بامتداح التجربة معتبرا أن العمل الإبداعي الجيد هو الذي يستدر عواطف المتلقي أثناء تلقيه للعمل ويثير الأسئلة والقلق عقب مشاهدته، وعلل العباس هذا الارتباك في تلقي تجربة حبيبي بسبب تنوع الفنون وتداخلها في تجربته مؤكداً في نهاية مداخلته بأن ما سمعه وشاهده في الأمسية لا يختلف كثيراً عما سمعه من محمد حبيبي عبر المنبر حين ألقى قصائده.
تنوعت المداخلات من الجنسين وكانت مداخلات ثرية ومتسائلة لم يسمح الوقت بالاجابة عنها من الشاعر أو الناقد الذي قدم ورقته.
وكان مسك الختام في الأمسية لوحة شعرية جميلة امتزجت بصوت الأرض طلال مداح في إحدى أغانيه الخالدة التي تفاعل معها الحضور وكشفت عن طلاليتهم الأصلية.
قدم للأمسية طلال الطويرقي الذي قرأ سيرة الشاعر التي كتبها محمد حبيبي بنفسه جاء فيها: انه محمد حبيبي من "وفيات 1961م" وأنا شاعر وأشك كثيراً في ذلك.


التعليقات