حتى نهاية القرن التاسع عشر كانت الرواية الأوربية مهيمنة على المشهد الروائي العالمي بشكل ساحق قتل كل فرص البروز الجاد لأي عالم روائي خارج حدود أوربا. لكن أمارات التململ والانقلاب بدت من العالم الجديد، من أمريكا، التي أفرزت جيلاً من الأدباء نقلوا الرواية والقصة الأمريكية إلى مستويات عليا أصبحت بها تقارع أعمال الأوربيين وتضاهيها شهرة ونجاحاً. وكان الروائي الأمريكي (مارك توين) أحد أهم الأسماء التي ساهمت في تحقيق هذه النقلة عبر أعماله الأدبية الناجحة من مقالات وقصص قصيرة وروايات؛ أبرزها (وصية الثلاثين ألف دولار)، (مغامرات هاكلبري فين)، (إلى خط الاستواء)، (الرجل الذي أفسد هادلبرج)، (الحياة على المسيسبي) وأخيراً روايته الشهيرة (مغامرات توم سوير) التي كانت ولازالت واحدة من أمتع الروايات بأجوائها الطفولية الساحرة.

ولد (مارك توين) في ولاية (ميزوري) عام 1835باسمه الحقيقي (صموئيل لانجورن كليمنص) الذي استمر معه حتى احترف الكتابة الصحفية، وقد توالت عليه المصائب منذ بداية حياته إذ توفي والده وهو في سن العاشرة ثم شاهد أخاه وهو يحترق، ومات ابنه الأول، وواحدة من بناته، ثم زوجته، ليمضي بقية حياته يصارع الألم إلى أن توفي عام 1910، لكن مسحة السواد هذه لم تزده إلا سخرية وطرافة وازدراء بكل ما يحيط به حتى أصبحت السخرية والنقد اللاذعان سمة مميزة لأعماله التي تجاوزت الخمسين عملاً نشرها ابتداءً من العام 1865، أما روايته الأشهر على الإطلاق وهي (مغامرات توم سوير) فقد نشرها لأول مرة عام 1876ويحكي فيها طفولة الفتى (توم سوير). ونتيجة لنجاحها الطاغي فقد أتبعها بجزأين اثنين؛ الأول عام 1894يتابع فيها رحلة (توم سوير) إلى أفريقيا بصحبة رفيقه الأثير (هاكلبري فين)، والثاني نشر عام 1896بعنوان (المحقق توم سوير). هذا بالإضافة إلى أجزاء أخرى تابعت مغامرات (هاكلبري فين) لوحده.

(مغامرات توم سوير) تجري أحداثها على ضفاف نهر الميسيسيبي حيث يعيش الفتى (توم) مع عمته العجوز الصارمة (بولي) التي لا توفر جهداً في سبيل فرض سلطتها ووصايتها على (توم) وأخويه الصغيرين. لكن (توم) بطبعه شقي متمرد ومغامر لا يركن للطاعة والخضوع، وهو إلى ذلك عاشقٌ متيمُ بطفلة جميلة سكنت قريتهم مؤخراً. وبرغم صغر سنه يخطط (توم) ورفيقه المجرم (هاكلبري) بالهرب من القرية الرتيبة واقتحام عالم القراصنة المثير وذلك من خلال الإبحار بقارب مسروق. وفعلاً يبدآن المغامرة التي تقودهما إلى اكتشاف جريمة قتل مرعبة بطلها مجرم عتيد.. وهنا يدخلان في مغامرة أخرى لا تقل إثارة عن الأولى..

الرواية الشيقة وذات النَفَس الطفولي الماتع كان لها مع السينما علاقة قديمة حيث حولت إلى أفلام عديدة ومتنوعة في أشكالها وأساليبها، فمن الفيلم الروائي الطويل إلى القصير مروراً بالرسوم المتحركة. وقد جاء أول اقتباس مميز في العام 1917مع فيلم أمريكي صامتٍ يحمل نفس الاسم بتوقيع المخرج (ويليام ديزموند تايلور). ثم ظهرت نسخة ثانية في العام 1938بنفس الاسم للمخرج الأمريكي (نورمان تيورغ) الذي نال ترشيحاً لمهرجان البندقية وترشيحاً للأوسكار في نفس السنة. وشهد العام 1973ظهور نسخة سينمائية مميزة لعبت بطولتها النجمة المعروفة (جودي فوستر) بدور الطفلة (بيكي) حبيبة (توم). أما آخر الاقتباسات من الرواية فجاءت عام 1995مع الفيلم الطفولي المتواضع (توم وهوك) للمخرج (بيتر هيويت). وتلفزيونياً فقد حولت الرواية إلى العديد من الأعمال التلفزيونية لعل أبرزها الفيلم السوفيتي (مغامرات توم سوير وهاكلبري فين) الذي ظهر عام 1981للمخرج (ستانسلاف غوفوركن).