أنهى «ملتقى نالا للسرد» في مدينة الرياض أعمال دورته الأولى، بعد يومين من القراءات النقدية والشهادات الإبداعية التي أعادت تجربة القاص الراحل محمد علي علوان إلى واجهة المشهد، وربطت منجزه بتحولات القصة القصيرة السعودية وأسئلتها الفنية والاجتماعية. وجمع الملتقى، الذي نظمته جمعية آداب وفنون السرد «نالا»، نخبة من النقاد والباحثين وكتّاب القصة من داخل المملكة وخارجها، في برنامج قرأ الذاكرة السردية واستشرف مساراتها الجديدة.
وشهد اليوم الثاني جلسة «التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة»، التي أدارتها الدكتورة أريج السويلم، واستهلها الدكتور حسن محمد النعمي بورقة «قلق الإنسان بين أصالة القرية وجاذبية المدينة: قراءة في تجربة عبد العزيز مشري القصصية»، متتبعًا ما تعكسه التجربة من توتر بين الجذور والتحولات المدينية. وتناول الدكتور أبو المعاطي الرمادي «ملامح ما بعد الحداثة في القصة القصيرة السعودية» من خلال نماذج مختارة، فيما رصدت الدكتورة زكية محمد العتيبي تحولات الهوية وصراع الفرد بين القيم التقليدية والمستجدات الاجتماعية.
وفي جلسة «تسريد المدينة في القصة القصيرة المعاصرة»، التي أدارها الدكتور كميل الحزمي، قدّمت الدكتورة بسمة عروس ورقة «المدينة في القصة القصيرة السعودية بين الحضور المرجعي والتخييل الشعري»، وتناولت الدكتورة شيمة محمد الشمري دلالات المكان في قصص جار الله الحميد من خلال ورقتها «ظلال المدينة وحنين الأطراف»، بينما بحث الدكتور محمد البشير صورة المدينة في قصص يوسف المحيميد، وما تفتحه من مساحات لقراءة التحول الاجتماعي والإنساني داخل النص.
وجاءت الجلسة الأخيرة بعنوان «شهادات وتجارب في كتابة القصة»، وأدارها رشيد الصقري، بمشاركة خالد الداموك، وموضي العتيبي، وعبد الله ناصر، وعباد حسين، الذين قدّموا خلاصات من تجاربهم الإبداعية، وما رافقها من تشكّل فني وتحولات في علاقة الكاتب بالنص والواقع. وأُعلنت بعد ذلك توصيات الملتقى في ختام دورته الأولى.
وكان الملتقى قد بدأ بحفل قدّمته الدكتورة عبير الجربوع، وألقى خلاله يوسف بن إبراهيم المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، كلمة أكد فيها أن الملتقى وُلد من شغف بالسرد وإيمان بأنه ذاكرة للمجتمع ومرآة لتحولاته، معربًا عن أمله في أن يصبح موعدًا سنويًا يجمع المبدعين والنقاد والباحثين والقراء، ويفتح الحوار حول دور السرد في تشكيل الوعي وصون الذاكرة واستشراف المستقبل.
وأشار المحيميد إلى أن إقامة الملتقى تأتي في ظل النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم من رؤية السعودية 2030، مؤكدًا سعي الجمعية إلى أن تكون بيتًا للمبدعين، وحاضنة للمواهب، ومنصة للحوار، وجسرًا يصل بين الأجيال ويعزز حضور الأدب السعودي عربيًا وعالميًا. كما ثمّن دعم وزارة الثقافة، وهيئة الأدب والنشر والترجمة، وبرنامج «مديد»، وشركاء الملتقى.
وتضمن حفل الافتتاح عرض الفيلم الوثائقي «مبدع القصة وعاشق القرية»، الذي كتب سيناريوه وعلّق عليه المستشار والشاعر محمد عابس، وتناول السيرة العلمية والعملية لمحمد علوان، وإصداراته، وصلته بالقرية وتفاصيلها، وحضوره ضمن جيل المبدعين منذ الستينيات والسبعينيات الميلادية، وتأثيره في الأجيال القصصية منذ الثمانينيات حتى اليوم. كما استعرض الفيلم مشاركاته داخل المملكة وخارجها، وتكريمه من جهات عدة، وأبرز ما كُتب عنه، وأصداء رحيله في وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية، متضمنًا شهادات لسعد الدوسري، وعقل العقل، وسليمان العصيمي، وغسان محمد علوان.
وفي كلمة الأسرة، استعاد غسان محمد علوان صورة والده كاتبًا ومعلمًا وإنسانًا، مؤكدًا أن الأدب لم يكن لديه ترفًا فكريًا، بل نبضًا يستلهمه من الوطن والمدينة والإنسان البسيط. وتوقف عند مسيرته الممتدة من «الخبز والصمت» إلى «موز ريدة»، مؤكدًا بقاء أثره في الوجدان وتاريخ الثقافة السعودية، قبل أن يكرّم الملتقى أسرة المحتفى به واللجان والرعاة والداعمين.
وافتُتحت الجلسات العلمية بجلسة «قراءات نقدية في تجربة محمد علوان»، التي أدارتها الدكتورة نورة سعيد القحطاني. وقدّم الدكتور عبد العزيز محمد السبيل قراءة في «الخبز والصمت»، وعدّ المجموعة محطة انتقالية مفصلية نقلت القصة من الهم الاجتماعي المباشر إلى الداخل النفسي والتكثيف والرمز وشعرية اللغة وتجريب الشكل، موضحًا أن الخبز يرمز إلى الحاجة والجوع، فيما يحيل الصمت إلى الخوف والعجز والخضوع للسلطات الاجتماعية.
وقرأ الدكتور معجب سعيد العدواني قصة «موز ريدة» بوصفها مواجهة مع التراتب الاجتماعي وانتصارًا لكرامة المهمّش وحقه في الاختيار. وتتبعت الدكتورة أميرة علي الزهراني تقنيات السرد في «الحكاية تبدأ هكذا»، وما تقوم عليه من لغة شعرية ولقطات مكثفة واسترجاع زمني ونهايات مفتوحة، فيما تناول الدكتور دوش فلاح الدوسري الأبعاد الإنسانية في مجموعة «إحداهن».
كما ناقشت جلسات اليوم الأول خصائص القص ودلالات الخطاب، والوعي بالنقد البيئي، وجماليات القصة السعودية المعاصرة، ودينامية القيمة وإنتاج المعنى، وسردية الألم، وأنماط الطبيعة في القصة القصيرة جدًا، إلى جانب شهادات نقلت الكتابة من حقل الدراسة إلى أصوات أصحاب التجارب.
وكرّست الدورة الأولى حضور «نالا» منصة للحوار بين النقد والإبداع، وربطت الوفاء لأحد رواد القصة السعودية بقراءة أسئلة السرد الراهنة وتحولاته، في خطوة تؤسس لموعد سنوي يتسع للباحثين والمبدعين والقراء، ويحفظ الذاكرة القصصية ويفتح أمامها آفاقًا.


التعليقات