تواصل صناعة السينما في المملكة العربية السعودية تسجيل نمو متسارع، مدفوعة بتوسع البنية التحتية وارتفاع حجم السوق وزيادة الإنتاج المحلي، بالتوازي مع توجهها نحو استقطاب مزيد من الشراكات الدولية، إذ بلغت الإيرادات الإجمالية لشركات القطاع نحو 245 مليون دولار خلال عام 2025، بزيادة سنوية نسبتها 9 في المئة، فيما توفر المملكة حوافز للمنتجين الأجانب تصل إلى استرداد 60 في المئة من النفقات التي تُصرف داخل البلاد وفق الضوابط المنظمة.

وجاءت هذه المؤشرات خلال جلسة «موسكو - السعودية: جسر سينمائي إلى الشرق الأوسط»، التي عقدت ضمن فعاليات أسبوع موسكو السينمائي الدولي الثالث، بمشاركة عدد من ممثلي قطاع السينما السعودي والروسي، حيث تناولت الجلسة التحولات التي شهدتها الصناعة السعودية خلال السنوات الأخيرة، وفرص التعاون بين الجانبين في مجالات الإنتاج والتوزيع والمؤثرات البصرية وتطوير المشروعات.

وأشارت مديرة الجلسة، الخبيرة في التوزيع الدولي والإنتاج المشترك كاترينا بشينيتسينا، إلى أن دور السينما عادت إلى العمل في المملكة عام 2018، بعد توقف استمر نحو أربعة عقود، قبل أن يشهد القطاع خلال فترة قصيرة توسعاً ملحوظاً في الإنتاج والعرض والاستثمار.

وقالت رئيسة المبيعات والعروض في مؤسسة البحر الأحمر السينمائي رغد كريم إن عدد الأفلام التي عُرضت خلال العام الماضي بلغ 538 فيلماً، بزيادة نسبتها 7 في المئة، فيما ارتفع عدد التذاكر المباعة إلى 18.8 مليون تذكرة، مسجلاً نمواً مماثلاً بلغ 7 في المئة.

وبحسب الأرقام التي استعرضت خلال الجلسة، استحوذت الرياض على النصيب الأكبر من الإيرادات بقيمة 115.8 مليون دولار، تلتها مكة المكرمة بإيرادات بلغت 64.5 مليون دولار، ثم المنطقة الشرقية بنحو 38.2 مليون دولار.

أفلام سعودية تتصدر شباك التذاكر

وتصدرت ثلاثة أفلام قائمة الأعلى إيراداً في شباك التذاكر السعودي خلال عام 2025، إذ حقق فيلم «الزرفة» إيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، تلاه «شباب البومب 2» بإيرادات قدرها 27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» الذي سجل 24.6 مليون ريال.

وأشارت رغد كريم إلى أن المملكة شهدت كذلك إنتاج عدد من المشروعات السينمائية الكبيرة خلال السنوات الأخيرة، من بينها فيلم «The Seven Dogs»، الذي عدته من أبرز المشروعات العربية الطموحة في الفترة الأخيرة.

وفي قطاع البث الرقمي، تناولت الجلسة توسع منصة «شاهد» التابعة لمجموعة «MBC»، إذ أشارت الأرقام المعروضة إلى استحواذها على حصة تبلغ 22 في المئة من سوق خدمات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متقدمة على «نتفليكس» وفق البيانات التي قدمت خلال الجلسة.

وبلغت إيرادات مجموعة «MBC»، المالكة للمنصة، نحو 1.4 مليار دولار خلال عام 2025.

تسعة استوديوهات كبيرة بعد سنوات من انطلاق القطاع

وقال مدير الإنتاج التنفيذي للمسلسلات والأفلام في «MBC Studios» فراس ديني إن القطاع السينمائي السعودي يمر بمرحلة سريعة النمو والتغير، مؤكداً أن هذا التطور استفاد من التعاون مع شركاء دوليين في عدد من الأسواق.

وأوضح أن المملكة كانت تضم قبل نحو خمس سنوات استوديو قديماً واحداً فقط، فيما أصبحت تضم حالياً تسعة استوديوهات كبيرة، إلى جانب عدد من الاستوديوهات الأصغر، في مؤشر على التوسع المتسارع في البنية التحتية المخصصة للإنتاج السينمائي والتلفزيوني.

وأكد ديني اهتمام المنتجين السعوديين بالعمل مع خبراء روس في مجالات متعددة من صناعة الأفلام، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى القطاع السينمائي الروسي.

وأشار إلى أن التعاون الدولي أصبح أحد المكونات الرئيسة في تطور صناعة السينما السعودية، خصوصاً مع اتساع حجم الإنتاج وظهور مشروعات أكبر تتطلب خبرات فنية وتقنية متنوعة.

حوافز تصل إلى 60 % للمنتجين الأجانب

وفي جانب الحوافز الاستثمارية، قالت مؤسسة والرئيسة التنفيذية لاستوديوهات «Yellow Camel» رشا الإمام إن المملكة توفر للمنتجين الأجانب استرداداً يصل إلى 60 في المئة من النفقات التي تُصرف داخل السعودية، شريطة التعاون مع شركة محلية.

وأوضحت أن مثل هذه الحوافز تسهم في تعزيز جاذبية المملكة أمام المنتجين الدوليين، وتفتح المجال أمام مشروعات إنتاج مشتركة يمكن تنفيذها داخل السوق السعودية والاستفادة من البنية التحتية المتنامية للقطاع.

وأشادت الإمام خلال الجلسة بمواقع مجمع موسكو السينمائي التي زارتها، مشيرة إلى جاهزيتها لاستضافة عمليات التصوير، ومؤكدة أن تطوير آليات عملية للتعاون بين الجانبين يمكن أن يمهد لإطلاق مشروعات سينمائية مشتركة.

مؤسسة البحر الأحمر تدعم التعاون الدولي

من جانبها، أوضحت رئيسة المبيعات والعروض في مؤسسة البحر الأحمر السينمائي أن المؤسسة، بصفتها جهة غير ربحية، تدعم التعاون الدولي في مجال إنتاج الأفلام، بما في ذلك التعاون بين المملكة وروسيا.

وأشارت إلى أن المؤسسة تنظم مهرجاناً سنوياً منذ عام 2021، إلى جانب دورها في دعم التواصل بين صناع السينما وفتح مسارات للتعاون والإنتاج والتوزيع.

ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه مشاركة المؤسسات والشركات السعودية في المهرجانات والفعاليات السينمائية الدولية، ضمن مساعي توسيع حضور القطاع والوصول إلى أسواق جديدة.

شركات روسية تبحث فرص الدخول إلى السوق السعودية

وفي السياق ذاته، استعرضت المنتجة العامة في استوديو الرسوم الحاسوبية والمؤثرات البصرية «Trehmer CG» ناديجدا تير-سارغسيان تجربة تعاون سابقة مع قطاع السينما السعودي.

وأوضحت أن الشركة لا تستهدف دخول السوق الإقليمية بصفتها مزود خدمات فقط، بل تسعى كذلك إلى إيجاد فرص عمل داخل المنطقة وبناء حضور أكثر استدامة.

وأشارت إلى أن التعاون مع الشركات الروسية قد يوفر للمنتجين المحليين مزايا تتعلق بالتكلفة مقارنة ببعض الشركات الغربية، إلى جانب الموقع الجغرافي الذي يمكن أن يدعم حركة الإنتاج والتعاون بين الطرفين.

ويفتح ذلك المجال أمام تعاون أوسع في مجالات المؤثرات البصرية والرسوم الحاسوبية والخدمات الفنية والإنتاجية، إلى جانب تبادل الخبرات بين الشركات والكوادر العاملة في صناعة الأفلام.

منصة لربط الرياض وموسكو سينمائياً

وعكست جلسة «موسكو - السعودية: جسر سينمائي إلى الشرق الأوسط» توجهاً نحو استكشاف فرص عملية لبناء شراكات بين شركات ومؤسسات السينما في البلدين، في ظل نمو السوق السعودية من جهة، وامتلاك الصناعة الروسية خبرات فنية وإنتاجية متراكمة من جهة أخرى.

ويركز التعاون المحتمل على مجالات الإنتاج المشترك، والاستفادة من مواقع التصوير، والمؤثرات البصرية، والخدمات الفنية، والتدريب، إلى جانب تعزيز الوصول المتبادل إلى الأسواق.

ويتزامن ذلك مع استمرار المملكة في تطوير بيئة صناعة الأفلام، سواء من خلال إنشاء الاستوديوهات وتوسيع البنية التحتية، أو توفير برامج الحوافز واستقطاب شركات إنتاج دولية، بما يعزز قدرة القطاع على المنافسة واستضافة مشروعات سينمائية ذات نطاق أكبر.

أسبوع موسكو السينمائي يعرض «Desert Warrior»

وأقيم أسبوع موسكو السينمائي الدولي الثالث خلال الفترة من 24 إلى 30 أغسطس في عدد من مواقع مجمع موسكو السينمائي، من بينها مصنع «موسكينو» للأفلام وحديقة «موسكينو»، إضافة إلى مساحات ثقافية وحدائق ومواقع أخرى في المدينة.

وتضمن البرنامج جلسات أعمال ولقاءات دولية وعروض أفلام وحوارات إبداعية وفعاليات جماهيرية، إلى جانب فعالية «ليلة السينما» السنوية.

كما شهد الأسبوع عرض فيلم «Desert Warrior»، الذي يعد من أكثر الأفلام الروائية تكلفة التي صُورت في المملكة العربية السعودية.

وتشير المؤشرات التي عرضت خلال الجلسة إلى أن صناعة السينما السعودية دخلت مرحلة جديدة تجمع بين نمو السوق المحلية، وتوسع البنية التحتية، وزيادة الإنتاج، واستقطاب الاستثمارات والخبرات الدولية، فيما تمثل الشراكات مع أسواق مثل روسيا أحد المسارات المطروحة لتوسيع حضور القطاع السعودي على المستوى العالمي.