في صباح الرابع والعشرين من أغسطس 2026، لا تطوي صحيفة «الرياض» صفحة عادية من صفحاتها، بل تطوي فصلًا كاملًا من تاريخ الصحافة السعودية.
اليوم يصدر العدد الورقي الأخير من «الرياض»، بعد مسيرة امتدت ثلاثة وستين عامًا منذ صدورها الأول عام 1385هـ، لتبدأ الصحيفة فصلًا جديدًا عنوانه: الصحافة الرقمية.
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه وداع للصحيفة، لكنه في الحقيقة وداع لوسيلة، لا للرسالة. فالصحيفة لا تتوقف، والقلم لا يتوقف، والخبر لا يتوقف؛ الذي يتغير هو الطريقة التي يصل بها المحتوى إلى القارئ.
من الورق إلى الشاشة
كان للقارئ موعد يومي مع الصحيفة؛ يلمس الورق، ويقلب الصفحات، ويبدأ بالمانشيت، ثم ينتقل بين المحليات والاقتصاد والرياضة والثقافة. كانت الصحيفة جزءًا من طقوس الصباح وذاكرة أجيال كاملة.
لكن العالم تغير.
أصبح الهاتف هو الصحيفة، والشاشة هي الورقة، والإشعار هو عنوان الخبر، وأصبح القارئ يريد المعلومة في لحظتها، لا في صباح اليوم التالي.
وهنا ظهر الإعلام الرقمي، ليس بوصفه بديلًا تقنيًا للورق فقط، بل باعتباره تحولًا في طبيعة العلاقة بين الصحيفة والقارئ.
في الصحافة الورقية كان القارئ ينتظر الصحيفة، أما في الإعلام الرقمي فالخبر يبحث عن القارئ أينما كان.
أعتقد أن السؤال الأهم بعد وداع الورق ليس: هل ستنجح «الرياض» رقميًا؟
بل: هل تستطيع الصحافة أن تحافظ على قيمتها المهنية في عالم السرعة؟
فالسرعة وحدها لا تصنع صحافة.
وفي زمن تنتشر فيه المعلومة خلال ثوانٍ، تصبح المصداقية أكثر أهمية، والتحقق أكثر ضرورة، والتحليل أكثر قيمة.
قد يستطيع أي شخص نشر خبر، لكن ليس كل شخص يستطيع أن يصنع صحافة.
وهنا يجب أن يبقى الفرق واضحًا بين صناعة المحتوى وصناعة المعرفة، وبين نقل المعلومة وممارسة العمل الصحفي المسؤول.
«الرياض» أمام فرصة جديدة
الانتقال إلى الإعلام الرقمي يمنح «الرياض» فرصة لإعادة تعريف حضورها لدى الأجيال الجديدة، والوصول إلى جمهور لم يكن جزءًا من جمهور الصحيفة الورقية.
جيل لا ينتظر الصحيفة على باب المنزل، بل ينتظر الخبر على هاتفه.
وهذا الجيل يحتاج إلى صحافة تعرف لغته، وتفهم سلوكه الرقمي، وتقدم له المعلومة بطريقة سريعة وجذابة، دون أن تتنازل عن المهنية والعمق.
لذلك فإن التحدي المقبل ليس المحافظة على إرث «الرياض» فقط، وإنما تحويل هذا الإرث إلى قوة في المستقبل.
فالخبرة التي صنعتها ستة عقود لا ينبغي أن تبقى في ذاكرة الورق، بل يجب أن تتحول إلى محتوى رقمي أكثر تأثيرًا وانتشارًا.
الورقة الأخيرة ليست النهاية
ربما سنفتقد صوت الورق ورائحة الحبر وتقليب الصفحات، وربما سيشعر جيل كامل بأن شيئًا من تفاصيل صباحاته قد تغير.
لكن التاريخ الإعلامي يعلمنا أن الوسائل تتغير، بينما تبقى الحاجة إلى المعرفة.
لذلك، فإن «الرياض» اليوم لا تودع الصحافة، بل تودع شكلًا من أشكال الصحافة.
وربما تكون أجمل رسالة يمكن أن نكتبها في هذه اللحظة:
وداعًا للورق، وليس وداعًا لـ«الرياض».
فالصفحة الأخيرة في المطبعة قد طُويت، لكن الصفحة الأولى في العصر الرقمي بدأت.


التعليقات