في اللحظة التي تمضي فيها المملكة العربية السعودية بثقة نحو استضافة مونديال 2034، لا يبدو المشهد مجرد استعداد لحدث رياضي عابر، بل مشروعاً حضارياً رحباً تلتقي فيه الرياضة بالثقافة، ويتحوّل فيه الملعب إلى مساحة مفتوحة للحوار الإنساني، وإعادة تعريف الصورة السعودية أمام العالم.
فكأس العالم، في معناه الحقيقي، ليس تسعين دقيقة تُلعب بين فريقين؛ إنه موعد تخرج فيه الأمم من حدود الجغرافيا إلى رحابة التلاقي، لتصبح الكرة لغة مشتركة، والمدرج انعكاساً لتنوع الإنسان. وعندما تتجه أنظار الملايين نحو كرة تدور بين أقدام لاعبين حملوا أحلام أوطان كاملة، يدرك الجميع أن الأمر ميدان تختلط فيه الهوية بالفن، والانتماء بالذاكرة، لتثبت البطولة أنها مسرح إنساني هائل تتجلى فيه الشعوب بألوانها وأغانيها وانفعالاتها.
وحين نستعيد ذاكرة المجتمع السعودي مع كأس العالم، نجد أن العلاقة بالبطولة مرّت بتحولات عميقة؛ وما زلت أذكر تماماً صيف عام «1990م»، حين كانت المباريات تُعرض على شاشة التلفاز الصغيرة. كنت حينها طفلاً في المرحلة الابتدائية، لا أعي تماماً معنى هذا الكرنفال، لكن دهشتي الأولى تشكّلت حين رأيت دموع مارادونا بعد خسارة الأرجنتين للنهائي؛ عندها أدركت بطريقتي الطفولية أن كرة القدم ليست لعبة تنتهي بصافرة، بل حكاية قادرة على أن تُبكي أمة، وتُخلّد لحظة في الوجدان.
ومن تلك الشاشة الصغيرة إلى شاشات المدن الكبرى، بقي الحماس ذاته وإن اتسعت الطقوس. فمع التحولات الكبرى للمملكة، انتقلت تجربة المونديال من حدود البيوت إلى رحابة الميادين والساحات التفاعلية كطقس اجتماعي عابر للأجيال. هذا الانتقال من المشاهدة الفردية إلى البهجة الجماعية يعكس حركية المجتمع وتطوره، ويكشف كيف أصبحت الرياضة منصة لصناعة المعنى الاجتماعي، وإعادة تشكيل علاقة الإنسان بالمكان وبالآخرين.
وعلى المستطيل الأخضر، يتحول الجسد إلى أداة تعبير، والركض إلى كتابة، والهدف إلى لحظة شعرية خاطفة، تُروى فيها الحكايات بلا لغة، وتُفهم الخسارة أو الفوز بلا ترجمة. وبعيداً عن حسابات الربح والخسارة، يتجلى كأس العالم كأعظم منصات الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة، حيث لا تحضر الدول بمنتخباتها فقط، بل بتاريخها، وموسيقاها، وصورتها التي تقدمها للعالم.
وهنا تكمن القيمة الكبرى لاستضافة المملكة؛ في كونها مسرحاً حياً لتلاقي الثقافات، فنرى السامبا البرازيلية إلى جوار العرضة السعودية في لوحة بشرية واحدة. هناك تتراجع الصور النمطية، وتغدو المعرفة بالآخر أكثر عفوية؛ لا عبر خطابات السياسة، بل عبر ابتسامة في مدرج، أو رقصة شعبية في ساحة عامة. وهنا الفرصة لتقديم الثقافة السعودية بوصفها ثقافة حية، كريمة، وواثقة، تملك القدرة على استقبال العالم كشريك في لحظة إنسانية فريدة.
وحين تنتهي البطولة وتُطفأ الأضواء، لا يبقى في الذاكرة جدول الترتيب، بل تلك الصور الإنسانية التي لا تمحوها السنوات: كدموع مارادونا في نهائي «1990م»، أو حسرة باجـِو بعد إهدار ضربة الجزاء عام «1994م»، ومدينة فتحت قلبها للعابرين فخرجوا منها بصورة لا تُنسى.
المونديال، في نهاية الأمر، هو الرواية الأضخم التي يكتبها العالم بأقدامه، ومع اقتراب قدومه إلى أرضنا، فإن المملكة لا تستعد لاستضافة بطولة فحسب، بل لكتابة فصل سعودي بالغ العمق والأصالة، فصل يفيض بالكرم، ويحتفي بالتنوع، ويؤكد أن الرياضة حين تُكتب بلغة الثقافة تصبح أكثر من لعبة، تصبح ذاكرة ورسالة ومستقبلاً.


التعليقات