يشكل المكان جزءاً مهماً من ذاكرة الشعوب، وملمحاً من ملامح الانتماء في وجدان الإنسان. ويشكّل (جبل سلع) بالمدينة المنورة جزءاً من تراث وذاكرة أمتنا الإسلامية، ليربط من خلال وجوده ماضينا الإسلامي العريق بحاضرنا الزاهر..
ويقع جبل سلع غربي المسجد النبوي الشريف على بعد حوالي خمسمائة متر من سوره الغربي، ويبلغ طوله حوالي كيلومتر واحد وارتفاعه حوالي 80متراً وعرضه مابين ( 300- 800متر)، وتقع مساجد الفتح في الجهة الغربية منه.
وقد اكتسب الجبل أهميته التاريخية من وقوع (غزوة الخندق) عنده في السنة الخامسة من الهجرة، عندما أقام المشركون معسكرهم في الجهة الغربية منه، وكان اليهود في الجهة الشرقية من الجبل. أما معسكر المسلمين فكان يقوده رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفح الجبل.
ولم يستطع المشركون وأحزابهم مهاجمة المسلمين من جهة الشرق لوجود الجبل، كما لم يتمكنوا من اقتحام الخندق المحفور غرباً.
.. وهبت ريح شديدة بعد أن دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب.. وكانت تلك الريح الشديدة مترافقة مع طقس شديد البرودة.. وتمت هزيمة الأحزاب، وانتصر المسلمون على جيش تعداده أكثر من عشرة آلاف مقاتل..
جبل سلع.. هذا المكان يمثل جزءاً من ذاكرتنا الحضارية ورمزاً من رموز تاريخنا الإسلامي.. وفي غفلة من الزمن، انطلق الاعتداء على جبل سلع بهدف إقامة مخططات لبيعها، خاصة وأن الجبل يقع في قلب المدينة المنورة.. واشتكى المواطنون إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد - حفظه الله - لإنقاذ هذا الأثر الإسلامي البارز..
وهكذا أصدر سموه الكريم قراراً بإيقاف أعمال الهدم والتكسير في جبل سلع والمحافظة عليه كأثر إسلامي بارز، كما أمر حفظه الله بتشكيل لجنة لدراسة وضع الجبل ونزع ملكية العقارات واستكمال الطريق الدائري حوله (جريدة الحياة، 1427/11/29ه).
وقد نوه سمو أمير المدينة المنورة بهذا القرار ورفع اسمى عبارات التقدير لولاة الأمر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز.
ومن المؤمل أن يحظى (جبل سلع) بمستقبل زاهر كما ذكر سمو أمير المدينة المنورة حيث أن هذا الجبل وجبل أحد وجبل الاصيفرين من المناطق التي شهدت العديد من الأحداث الإسلامية، بل ان جميع المواقع الإسلامية الأثرية في المدينة المنورة سوف تحظى بمزيد من الرعاية والاهتمام من ولاة الأمر - حفظهم الله -.
ولقد علمت بأن هناك بعض الدراسات الخاصة بتطوير محيط (جبل سلع) الذي يقع في قلب المدينة المنورة وسوف تحفل المنطقة المحيطة بالجبل ببعض المشروعات والمراكز الحضرية والثقافية التي تبرز الهوية الإسلامية وتدعم النسيج في المدينة المنورة.
ويشير مصدر في أمانة المدينة المنورة كما قرأت بأن منطقة (جبل سلع) وما حولها تستقطب قرابة ثلاثة ملايين زائر سنوياً، مما يستدعي اقامة هذه المراكز الحضرية على شكل معارض ومتاحف تحكي قصة هذا المكان (جبل سلع) الذي يصل ماضي تاريخنا الإسلامي العريق بحاضرنا الزاهر..
من ذاكرة المكان
قال أنس رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا له مجيبين:
نحن الذين بايعوا محمداً
على الجهاد ما بقينا أبداً
وقال البراء بن عازب: رأيته صلى الله عليه وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الأولى قد بغوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبينا@
@ صحيح البخاري: باب غزوة الخندق


1
طيفور
2007-11-15 19:12:07أشكرك كل الشكر على المعلومات الثرة عن جبل سلع
2
يوسف السحار
2007-02-05 00:59:08شكراً لسعادة الدكتور على هذا المقال الذي يبرز أهمية أثارنا الإسلامية والسعي للحفاظ عليها ولكن أرجو العناية أيضاً بجبل أحد لما له من أهمية تاريخية وأرجو من الهيئة العليا للسياحة الإهتمام بتأهيل مواقع الأثار الأسلامية وشكراً