سلوك ترمب عندما زج بفكرة التطبيع مع إسرائيل في خضم حرب إقليمية شكل في واقعه "انحرافاً استراتيجياً" كما يقول ذلك منتقدو ترمب في واشنطن، وقد تبدو الفكرة أنها بديل مباشر يعكس واقع الحرب وطبيعتها ضد إيران ونتائجها، وهذا ما أفقد فكرة التطبيع مكانتها عندما طرحت في خضم حرب مشتعلة تتجاوز أبعادها محيط الشرق الأوسط..
قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال ممكنة وميسرة، ولكن الحقيقة أبعد من ذلك، لأن صناعة أزمة دولية في أهم الممررات المائية عالمياً هو مساس مباشر بفكرة الاستقرار الدولي في هذه المنطقة الحساسة من العالم، عبر التاريخ جربت منطقة الشرق الأوسط الكثير من الخيارات الأميركية التي كانت ومازالت تحاول دمج إسرائيل في علاقات مباشرة مع الدول المحيطة بها، من خلال بناء تحالفات إقليمية تهدف إلى دمج إسرائيل في البنية السياسية لمنطقة الشرق الأوسط تحت فكرة تكررها الإدارات الأميركية منذ زمن طويل.
هذه ليست المحاولة الأولى التي تهدف أميركا من ورائها إلى فرض إسرائيل على المنطقة دون أن تطلب من إسرائيل أن تقدم ثمناً لذلك، المختلف في هذا العرض الأميركي هو خطورة الطريقة التي قدمت بها أميركا فكرة التطبيع الذي يتنقل مع الرئيس ترمب من مرحلة البحث عن السلام إلى فرض العلاقات السياسية عبر القوة من خلال معادلة سياسية وهمية في حقيقتها ومن خلال بيع صفقة إلى إسرائيل دون ثمن، الأكثر إثارة للأسئلة في هذا المسار هو محاولة واشنطن الحصول على انتصار تاريخي من خلال حرب إقليمية تعتمد فيها فكرة الفعل ورد الفعل، فأميركا أصبحت تمارس دوراً يمكنه أن يغير استقرار العالم في هذه المنطقة، وهنا مكمن الخطر.
المحاولة الأميركية لوضع المملكة العربية السعودية وبقية الدول في المنطقة في مسار التطبيع يشكل محاولة سياسية تفتقد إلى الكثير من التكتيك، فالموقف السعودي تحديداً فيما يخص إسرائيل لم يقبل التنازلات عبر التاريخ، ولذلك فإن الحقيقة الدائمة التي ترتطم بها أميركا وإسرائيل هي أن دولة محورية لن تستجيب للضغوط ولن تقبل أي صيغة من أجل إنهاء الحرب على حساب قضية جوهرية عمرها ثمانية عقود ما لم يكن هناك مسار لدولة فلسطينية عملت السعودية سياسياً وعبر الزمن على فكرتها انطلاقاً من مبادرة السلام العربية التي تقوم على التطبيع مقابل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة منذ عام 1967م.
التقييم السعودي لفكرة التطبيع اتخذ مساراً واضحاً بنيت منطلقاته من خلال فكرة مفادها أن تأثير إسرائيل على المنطقة تأثير مدمر، كون إسرائيل تسعى دائماً إلى محاولة إغراق المنطقة بالأزمات والحروب، لذلك لا بد من تحقيق فكرة دولة فلسطينية تعيد ترتيب التوازنات في المنطقة، أميركا اليوم تسعى إلى استعادة دورها ومكانتها الإقليمية والدولية والتي اهتزت بسبب الطريقة التي تخوض فيها أميركا الحروب والتي أدت بشكل مباشر إلى الفشل في تحقيق الأهداف التي كانت تروى عن تلك الحروب التي تحول معظمها إلى استنزاف سياسي لا يحقق أي جهود يمكنها أن تستعيد الدور العالمي لأميركا.
المملكة العربية السعودية عملت على المستوى الدولي، وأطلقت الجهود بالشراكة مع فرنسا في العام 2025 من أجل الدفع بالقضية الفلسطينية إلى مستوى متقدم، أدى إلى اعتماد قرار أممي يعترف بدولة فلسطينية، ورغم معارضة أميركا لهذا الاتجاه إلا أن الموقف الدولي بدا صامداً في هذا الاتجاه، وهو ما يثبت صعود اتجاهاً دولياً يتزايد بشكل كبير نحو صيغة مختلفة لنظام عالمي متعدد الأقطاب.
ومن هنا، تدرك المنطقة بدولها الرائدة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية أن هناك فروقات جوهرية في مدلول التطبيع وفكرة الاتفاقات الإبراهيمية التي تفتقد جميعها إلى منهجية تجبر إسرائيل على الالتزام الواضح بالحق الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة بجانب الرغبة الإسرائيلية المستمرة لتقديم نفسها في المنطقة كدولة مركزية، وهذا لن يتحقق في المنطقة فهو مخالف للتاريخ ولقواعد الجغرافيا الخاصة بالشرق الأوسط.
سلوك ترمب عندما زج بفكرة التطبيع مع إسرائيل في خضم حرب إقليمية شكل في واقعه "انحرافاً استراتيجياً" كما يقول ذلك منتقدو ترمب في واشنطن، وقد تبدو الفكرة أنها بديل مباشر يعكس واقع الحرب وطبيعتها ضد إيران ونتائجها، وهذا ما أفقد فكرة التطبيع مكانتها عندما طرحت في خضم حرب مشتعلة تتجاوز أبعادها محيط الشرق الأوسط، ومن هنا فإن الدول التي تعاملت مع هذا الطلب من خلال قيمها ومبادئها السياسية كانت تدرك بوضوح أن فكرة التطبيع في هذا التوقيت تعتبر خروجاً عن النص السياسي، ولا يمكن تحقيقها، فالربط بين الحرب مع إيران والتطبيع مع إسرائيل أو الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية إنما هو تنافر ثابت في "الفيزياء السياسية" التي مارسها الرئيس ترمب خلال ولايته الثانية دون أن تحقق أي نتائج، ومثالها الأبرز معادلته الشهيرة "الحرب لتحقيق السلام".


التعليقات