من يقرأ النص الروائي لصبا الحرز بعنوان "الآخرون" قراءة جدية تليق به لا يعود لديه شك في تميزه وبأكثر من معنى. فاللغة السردية مشغولة برهافة عالية ترفع كثيرا من تعبيراتها إلى جماليات القول الشعري المشبع بالمعرفة والفكر. والأحداث التي تشخصها هذه اللغة وتمثلها في مواقف وعلاقات هي من الجرأة والجاذبية بحيث تطرح القضايا المحرجة وتخرق التابوهات دونما رأفة أو وجل وكأن الكاتبة قررت أن تريح الرقابات كلها فتقدم لها أكثر مما تبحث عنه عادة في النصوص!. أما الشخصيات التي تباشر الفعل وتتبادل العلاقات وتتنازع المواقع والمواقف فهي من التنوع والخفة والحيوية بحيث تجذب الانتباه وتثير التعاطف خاصة وأنها لا تتعالى عن النماذج الواقعية الممكنة في مجتمع يبدو جليا أن الأسوار التي كانت ترسم حدوده و تشكل سدوده قد تصدعت، هذا إن لم تكن قد انهارت عمليا، في غفلة من الجميع.

هذه كلها سمات جاذبية ذكرتني بأجمل وأهم ما قرأت من رواياتنا المحلية في العقد الأخير(الأرض اليباب، سقف الكفاية، خاتم). بل إن هذه الرواية تذهب بعيدا في التفرد والتميز من جهة حوارها الواعي الخلاق مع مرجعيتين تسمان الثقافات الحديثة وتحددان جزءا جوهريا من معاني حداثتها. أعني السينما التي أصبحت اليوم أم الفنون الحديثة كلها بقدرما كان المسرح أبا لها من قبل، والشبكة المعلوماتية التي هي مكتبة بورخيسية عجيبة تجسد أرقى مكتسبات التقنية وتقدم منتوجات الثورات المعرفية بكل سخاء ليختار منها الإنسان ما يريد متى يريد. طبعا المرجعيات الثقافية التقليدية، وفي مقدمتها الكتاب، لا تزال حاضرة بقوة في نص يبدو جليا أن كاتبته مثقفة واسعة الاطلاع لكنها نوعية في تمثل ما تقرأ وتشاهد وتسمع. فكثيرة هي المقاطع التي تدل تصريحا أو تلميحا على أنها قرأت بإعجاب أحلام مستغانمي وميلان كونديرا وصمويل بيكيت، واطلعت بوعي على أطروحات لنيتشه وسارتر وفرويد، واستمتعت بأجمل أغاني فيروز، وأنصتت للموسيقى الكلاسيكية العارفة بقدر إنصاتها لأصوات الحياة اليومية في المجتمع الذي تنتمي إليه وتحاول المشاركة في إعادة صياغة أفكاره وقيمه وعلاقاته. وإذا كان تعدد مصادر الجاذبية في نص كهذا هي علامة تفرد تعلي من قيمه الفنية والتداولية دونما شك، إلا أنها تشكل أيضا وفي الوقت نفسه عامل تحد جدي للقراءة النقدية التي تحاول الحوار معه في مقالة كهذه.

إنها صيغة أخرى للقول بأن الكتابة الموجزة عن رواية صادمة وفاتنة كهذه هي مغامرة مرهقة لا يخفف من مشقتها إلا ذالك القانون الذي تقدمه الكاتبة على لسان إحدى شخصياتها إذ تقول: الشيء الذي لا يمنحك متعة تساوي ضعفي ما يستهلك منك من جهد لا يستحق أن تعمل عقلك لأجله (ص25). من هذا المنطلق سألقي الضوء مكثفا على القضية التي تبدو لي نقطة الجذب الأهم في النص، وعلى اللعبة السردية التي طرحت بها كتيمة روائية تحتكم إلى منطق التخييل بكل ممكناته وجمالياته.

فالحكاية المركزية تعرض وتتقصى مغامرات مجموعة من الفتيات يصطدم وعيهن الجديد بأسوار الثقافة السائدة فتنخرط كل واحدة منهن في ممارسات جانحة هدفها تحقيق رغبات الذات الفردية ونزواتها وكأن الجسد الفردي يتحول إلى هوية فردية وجودية لا يمكن تحريرها من قمع السلطة الاجتماعية إلا بتملكها ومن استعمالها ضدها مباشرة أو مناورة. الأحداث والعلاقات كلها تتلاقى وتتقاطع عند حكاية الراوية والشخصية المركزية في النص وذلك لأن لها علاقات سوية أو ملتبسة بكل الأطراف، ولأن مفارقات الوضعية في مجملها تتجسد في أقوالها وأفعالها وعلاقاتها بمن حولها. فهذه الفتاة التي لا تسمى، مكرا وتسترا أو نمذجة وترميزا، هي شخصية تراجيدية بامتياز، وبالمعاني الدرامية والفلسفية المعهودة للمفهوم. وهي هكذا لأنها تعاني الكثير من علل الجسد والنفس، إلا أن وعيها الفكري العالي بالعالم وحسها المرهف المعمق بالبشر والكائنات يمكنانها من تحويل هشاشاتها ذاتها إلى طاقة فعل خلاق يثير الدهشة والإعجاب حتى وهو يوجه حياتها اليومية إلى حواف الخطر ويدفعها دفعا نحو مسارات السقوط والانكسار. لقد تعرضت لتجارب قاسية خلال الطفولة (غياب الأب المفاجئ) وفي مرحلة المراهقة (عدوان الأم عليها بدواعي الختان وعدوان مدرستها بلقيس بدواعي الحب) وفي سن الرشد (نوبات الصرع المتكرر). ووفق منطق التداوي بالداء تصر على تحويل تجاربها المؤلمة إلى حوافز تغريها بالمزيد من المغامرات المنحرفة، ومن دون أن تكف عن تنمية قدراتها الذهنية والعملية، لتتفهم معاناتها و تتعالى عليها ولو من حين لآخر. فهي تتعلق بشخصية ضي القوية والمتسلطة حد السادية لأنها قرينها النقيض المنفر، وبشخصية دارين المثقفة والفنانة التشكيلية لأنها قرينها الأليف الحميم، وبشخصية عمر لأنه شاب ذكي وسيم حساس يجسد الاختلافات الحقيقية التي تسمح لها باكتشاف سويتها خارج الدوائر الضيقة لهويتها النوعية والجهوية، (كم كان جميلا ودالا أن تنتهي الرواية بمشهد لقاء حميمي بينهما).

بصيغة أخرى نقول إن الكاتبة بنت هذه الشخصية الإشكالية من عناصر غاية في الثراء والتناقض والانسجام لتبدو لنا مثيرة للشفقة والتعاطف مرة ومثيرة للدهشة والاعجاب مرات كأي شخصية تراجيدية تتزايد معاني بطولتها بتزايد مقاومتها لدواعي ضعفها ولحظات انكسارها وسقوطها. والمهارة الفائقة في عمليات التأليف بين المكونات والعناصر هي التي توصل شخصية كهذه إلى رتبة النموذج أو "الرمز" لأن التجارب المؤلمة التي تجعل الانسان العادي يتشظى كبلورة هشة لا تطال جوهرالروح العميق لدى من ينطوي على شخصية مبدعة خلاقة تصقلها تجربة الألم أكثر من أي تجارب أخرى. لا غرابة بعد هذا أن هذه الفتاة تواصل رحلة التعلم والاستكشاف حتى تصبح كاتبة جادة وشاعرة مرهفة ومثقفة جريئة لا يطيب لها العيش إلا وهي تغامر وتعاني وعيا منها بأن معاني الحياة الأكثر جوهرية إنما تتجلى وتتحقق للذوات التي تتمرد على رتابتها الهادئة المملة وتخرج عن دوائرها الضيقة المعتمة. والكتابة في مقام الوعي بالألم وإرادة تحويله إلى فكرة عليا، كما كان يفعل نيتشه وموريس بلانشو وكافكا وفرانسواز ساجان وفرجيينيا وولف وجبران ومحمد شكري وغيرهم، هي التي تجعل كل حادثة أو تجربة تستحيل لبنة صغيرة وأساسية في معمار الهوية وفي معمار النص. ومما يدل على أن هذه الكاتبة من النمط ذاته أن كتابتها تلح في مواضع عديدة وبصيغ متنوعة على رفض منطق التأثيم والندم والحذف إذ لو اشتغل منطق تقليدي كهذا لافتقرت الحياة وانهار معمار الهوية الفردية ومعمار النص من هذا المنظور الجمالي الذي تهندسه الكاتبة بدراية ورهافة عاليتين.

من هذا المنظوم نطل على القضية الأهم في النص، ونعني الحضور الإشكالي للآخرين في رواية اختارت لها كاتبتها، ومنذ العنوان، أن تطرح قضية صعبة بشكل جذاب فنيا ومقنع فكريا وقد كسبت الرهان. فالآخر،أيا كان، قد يبدو جحيما لا يطاق في مقام، وقد يتحول جنة مشتهاة في مقام لاحق، لكنه يظل ذلك الكائن الذي يشبهنا ولايمكن الاستغناء عنه لأن الوعي بالذات إنما يتشكل ويتطور ويختبر يوميا بفضل حضوره في الفضاء من حولنا. نعم، إنه كينونة خارجية عنا، لكن التواصل معه هو ما يسمح لنا بإدراك كينونتنا الفردية الخاصة التي هي ذاتها كينونة أخرى خارجية بالنسبة له. وبلغة جيل ديلوز نقول إن الآخرهو في العمق بنية أساسية في وعينا بالزمن والمكان. ومن ثم فإن حضوره الجحيمي يظل أهون من غيابه المطلق الذي يعني العدم هنا إذ لا يمكننا ممارسة الحياة إلا به ومعه وقد اصبحنا كائنات واعية انفصلت عن الطبيعة لتتأ نسن وتجابه شرط وجودها كما ينبغي وإن تيقنت أنه شرط مأساوي في جوهره.

وتنزيل القضية من مستواها الفلسفي العام إلى المستوى الثقافي الاجتماعي الخاص يكسبها أبعادا أكثر بروزا وتعقيدا، لأن ذلك المفهوم يتشقق إلى مكونات وعناصر متنوعة وفعالة بقدر ما يتشخص في نماذج بشرية مفعمة بالحيوية.

فليس يخفى على الكاتبة أنها ذات أنثوية مرشحة منذ القدم لدور الضحية المثلى لثقافة تقليدية تضع كل امرأة في رتبة الآخر الداخلي ومن ثم تؤول اختلافها من منظور احتقاري عدائي يقلص معاني إنسانيتها، بل قد يشيطنها أو ينفيها إلى عالم الوحش (هذا هو الجذر العميق ل"فكر التوحش" كما أسميه). ومما يزيد الأزمة حدة ودلالة أن هذه الثقافة قد تصدعت وتفككت نظمها المعرفية والأخلاقية والجمالية بفعل تعرضها اليومي لإبدالات العصر وتقنياته، وكان من المفترض أن يتم إعادة بنائها وفق شروط العصر ومعطيات الراهن المحلي والكوني. لكن عاملا معيقا لا يلبث أن يتدخل ليكرس الوضع ذاته وكأن شيئا لم يحدث ولن يحدث، ويتمثل هذا العامل في "الإدلوجات" التي تشتغل في فضاء الأسرة والفئة الاجتماعية كما في فضاء الدولة والأمة. فهي في مجملها أدلوجات ذكورية الطابع والوظيفة، وحينما تتنافس على المواقع والمصالح فإنها تتغذى على المرجعيات القديمة ذاتها، وتوظف ترسانة من الأفكار والقيم والمعايير التي تضفي عليها قداسة لها لتضمن بلوغ مراميها، وهي مصالح ممثليها في التليل الأخير. ولا أدل على تشاكلها العميق في هذه المستويات كلها من حرصها على تجنيس مجمل العلاقات بين الأفراد، وجندرة الفضاءات وكثير من الأنشطة اليومية بشكل صارم حد التعسف والعنف، مما يولد خللا في التصورات وانحرافا في الممارسات. عند هذا المنعطف ندرك أن الراوية وبلقيس وضي ودارين وناديا وهبة.. لا أكثر من تسميات أو أقنعة تكشف لنا الكاتبة من خلالها وعبرها كيف تحول ثقافة مثقلة بالإيديولوجا، بالوعي الزائف، بعض المنتمين إليها إلى نماذج رمزية منحرفة تباشر فعل التمرد والهدم بكل أشكاله. فدور الضحية ليس مريحا لأحد. والذات اليقظة وعيا وضميرا لا يمكنها أن تتقبله واقعا ومصيرا لها أولغيرها، لأن من صميم معاني وعيها أن تحرص على كرامتها وتتشبث بممارسة حقوقها غير معنية بمعايير الخطأ والصواب والفضيلة والرذيلة التي لا تخدمها ولا تنال قناعاتها. وحينما ندمج المنظورين الثقافي و الاجتماعي في المستوى الأدبي يتضح لنا أن القضية المطروحة بصيغة روائية هنا قد لا تشكل سوى عينة جزئية من إشكالية أعم يعانيها مجتمع يتعرض لمختلف أشكال التغير وحينما لا يتحرك نحو أفق جديد منفتح واعد يظل يراوح مكانه ليتفكك ويتشظى ويتحلل وكأن طاقاته الحيوية الخلاقة أصبحت تعمل ضده بمعنى ما (هل يستطيع باحثونا المختصون في علوم النفس والاجتماع قول شيء جدي بهذا الصدد؟!).

وفي كل الأحوال فإن هذه هي نواة المفارقة الكبرى التي تنبني عليها الرواية ومنها تتولد كل تيماتها الفرعية، مثلها مثل نصوص سردية ودرامية وشعرية كثيرة في سياق ثقافتنا العربية الراهنة بشكل خاص.

السؤال المهم الآن هو التالي: كيف تتقصي الكاتبة تجليات المفارقة و تشخص دلالاتها من منظور سردي يخصها ويميز كتابتها؟. هانحن أمام سؤال الأسلوب واستراتيجيات الكتابة التي تثوي خلفه. من هذا المنظور لعل أول ما يلفت النظر أن النص كله يمكن التعامل معه كجملة واحدة تتلفظ بها الراوية والشخصية المحورية في أربعة وعشرين مقطعا (تقارب عدد سنوات عمرها)، وداخل هذه الجملة المونولوجية الطويلة يحضر كلام الآخرين، ومعظمهم أخريات يعانين الشروط الصعبة ذاتها ويباشرن السلوكيات نفسها. وجملة روائية ممتدة كهذه لا بد أن تكون نتاج اختيار جمالي يستحق الحوار معه فيما يتجاوز المقولات الشائعة في الدرس الأسلوبي لأنها قد لا تفضي إلى شيء جدي. بناء عليه نلفت النظر، وبإيجاز، إلى مسألتين مهمتين.

الأولى منهما أن لغة التداعيات الحرة هي من المرونة والانفتاح بحيث يمكن أن تستوعب كل الأشكال الخطابية المعهودة من دون أن تفرط الذات في موقعها كمنظمة للقول ومسيطرة على إيقاعاته مثلها مثل من يؤلف عملا موسيقيا على هواه ويصر على أن يلعب دور قائد الفرقة (المايسترو) لحظة الأداء!. لا غرابة بعد هذا أن تنطوي الجملة ذاتها على فيض غني من الذكريات و البوح والتأملات والحوارات، وأن تخوض أصواتها في مختلف الموضوعات والقضايا، وأن تستعير الذات الناطقة من خطابات الآخرين ما تشاء، وبأكثر من لغة ولهجة، من دون اعتبار لأي منطق خارجي يفرضه الآخرون أو يطالبون به. المسألة الثانية أن التعامل مع الأسلوب هذا كخطاب في نص سردي يكشف لنا عن بعد دلالي أغنى وأعمق فيما نزعم. فالكلام أوالكتابة بهذه الصيغة هو تحقيق لواحدة من أهم تجارب الحرية الرمزية والعملية المتاحة للكائن الإنساني في الحياة، ونعني حرية استعمال اللغة عوضا عن الخضوع لها فتستعملنا. ثم تتسع دلالة الحرية حينما نتنبه إلى أن الخطاب هنا ذو بنية حلمية هذيانية في العمق تتصل أوثق الاتصال بالجسد الذي ما أن تتزايد أوجاعه حتى يتحدث كما يريد وقد حرره الألم ذاته من الرقابات الذاتية والخارجية ليبدو في أوج حضوره وشفافيته وصدقه. وبناء على دراسات سابقة أنجزتها حول هذه القضية تحديدا لا استبعد أن يكون أنثويا بامتياز كلما تنزل من رهان التعبير الحرعن عالم الكتب والأفكار الذهنية المجردة، إلى رهانات التعبير عن قارة الجسد في كليتها وحميميتها وبغض النظر عن الهوية الجنسية للذات الكاتبة.

أعود فأؤكد أن هذا الاختيار الأسلوبي جاء متناسبا كل التناسب مع منطق النص الذي هو منطق ذات مفكرة مبدعة تعي جيدا أن الإنسان يكون أكثر قربا من معاني إنسانيته حين يدرك أنه "كائن خطاء" بامتياز، و حين يتجرأ على التحديق في مآسيه وجها لوجه عله يتفهمها ليألفها أوليتحررمنها. وبصيغة أخرى أقول إن استراتيجية الكتابة هذه موجهة إلى تحطيم إيقونات وأصنام تلك الثقافات المؤدلجة التي يسلم بها آخرون ويستسلمون لها جهلا بها أو خوفا منها، وإن بلغة شعرية غاية في الرهافة والحميمية. فالذات الكاتبة تتمثل وعيا نقديا شقيا، بحسب هيجل، يتعالى على شقائه لينخرط في مساءلة صارمة للثقافة التي تنتمي إليها الذات وتحاول تجاوزها (والوعي يرتد ضد الذات وقد يفتك بها إن لم يحرر ويوجه إلى موضوع خارجي وجيه). إنها ذات لا تعادي أحدا أو شيئا مسبقا ومطلقا بل تفكك منظومات ثقافة ما إن تظل تحتكم إلى سلسلة من المقولات العقائدية المتعالية والحقائق المطلقة حتى لا يعود بإمكانها أن تعرف كائنا اسمه "الفرد" أو أن تعترف بشيء من حقوقه كإنسان، لأن إنسانها الأمثل يتأنسن بقدرما تقولب اقواله وتنمط أفعاله ليندمج في الجماعة التي ينتمي إليها بالوراثة و يتكيف معها بالمحاكاة. ومما يضاعف من قيمة الجهد ووجاهة الموقف أن ثقافة كهذه لا تساوي بين البشر حتى في مقامات الاستلاب لأن دوائرها تضيق على الفرد بحسب الجنس (الجندر) والرتبة الاجتماعية والموقع الوظيفي. هذا تحديدا ما يجعل منظومات أفكارها وقيمها ومعاييرها تبدو متحيزة ضد الفئات الأكثر هشاشة وهامشية في التراتبية الاجتماعية السائدة، ومتحيزة بشكل مطلق ضد المرأة، لأنها هكذا في الأصل وبكل بساطة. تقول دارين: "أفكر مرات أنني لا أفهم ما حدث لأنني امرأة. النساء لا يفهمن التاريخ لأنهن لم يسجلنه، والتاريخ مجرد شرطي فاسد يشترى بالمال والقوة" (ص 189). من هذا المنظور تكون مجابهة ومحاولة هدم منطقها جهدا شاقا وغير مضمون العواقب، لكنه يبقى موقفا بطوليا نبيلا لا يفتقر إلى مبرراته الفكرية والأخلاقية. شخصية الفنانة ذاتها تقول: "أنا مجنونة يدوخها اللون الأبيض، ولذا لا أتعامل معه بمثل تلك المثالية والطيبة. قرأت ذات يوم أن الفن يقوم على الهدم، هدم الأفكار والنسق والجماليات الجاهزة. وأنا هدامة عظيمة "(ص207). ومنطق هذه الجملة التي تحلق بعيدا في فضاءات الشعر والفكر - وهي غيض من فيض كما يقال! - هو ذاته منطق الكاتبة كما يتجلى في تلك الجملة الطويلة التي تشكل كتابتها على بياض الورقة أو الشاشة، ولعله المنطق الأهم لكل فعل فكري أو جمالي خلاق قديما كان أوحديثا.

بناء على هذا كله نطرح السؤال التالي: ألا تكون هذه الكتابة شبيهة بكتابات أولئك المبدعين الذين اكتشفوا في لحظة ما أنهم يتحدثون ويكتبون بلغة أجنبية عنهم تفتح أمامهم الكثير من فرص التعبير الحر لكنها تظل متواطئة ضدهم إن لم يكشفوا ألاعيبها ويمكروا بمسلماتها بكل ما أوتوا من قوة وجرأة؟!. أطرح هذا التساؤل الجارح وأتركه مفتوحا لأخلص إلى مسألتين أختم بهما هذه المقاربة الموجزة حد الاختزال.

الأولى أن هذا النص يفترض أن يقرأ ويحاور فيما وراء الأحداث الناتئة في سطحه لأنه يطرح قضايا إشكالية أكثر عمقا مما تعودنا عليه القراءات العجولة الكسولة، وقد لا أبالغ حين أقول انه يفتح، وللمرة الأولى، الباب واسعا أمام "رواية الأطروحة" التي لا يزال ينتظرها أدبنا الحديث كله!.

والمسألة الثانية أن للكتابة المتميزة مكرها الخاص، وها نحن أمام نص يضع كاتبته أمام ذلك التحدي المعتاد لدى كل من يبدأ من الذروة العالية فلا يعود أمامه سوى النكوص أو تحمل تبعات ذالك الفعل السيزيفي الشاق والخلاق، أي الإصرار على العود مجددا إلى الذروة ذاتها إثركل سقوط.