يمتلك الاقتصاد السعودي موقع قوة حاسمة لمواجهة تحديات انخفاض أسعار النفط، إذ أكد صندوق النقد الدولي أن العام الحالي سيكون عامًا محوريًا في مسار التنمية الاقتصادية للمملكة العربية السعودية، في ظل بيئة تتسم بانخفاض أسعار النفط وارتفاع الاحتياجات التمويلية، بما يتطلب تعزيز الإصلاحات الاقتصادية والاستفادة من المكاسب المحقَّقة حتى الآن.

أبرز الصندوق، في تقرير حديث، أن الاقتصاد السعودي يملك موقع قوة نسبيًّا يدعمه بمواجهة هذه التحديات، مستفيدًا من الإصلاحات في إطار رؤية السعودية 2030، والتي أدت إلى تقليص فجوات التنويع الاقتصادي مقارنة بالأسواق الناشئة، وجعلت بيئة الأعمال قريبة من مثيلاتها في الاقتصادات المتقدمة.

أشار التقرير إلى أن الاقتصاد غير النفطي حافظ على زخم قوي خلال عام 2025، رغم انخفاض أسعار الخام بنحو 30 % مقارنة بمستويات ذروتها في 2022، ما يعكس ثمار الإصلاحات الجارية، بما في ذلك زيادة فرص العمل في القطاع الخاص، لاسيما لصالح النساء، وانخفاض معدلات البطالة إلى مستويات قياسية.

رأى الصندوق أن السعودية تواجه اختبارًا جديدًا في كيفية الحفاظ على زخم الإصلاحات في عصر انحسار الإيرادات النفطية، داعيًا إلى مواصلة جهود التنويع الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية بغض النظر عن تطورات أسعار النفط. وأكد أن الاقتصاد السعودي يتمتع بنسب ديون عامة منخفضة وأصول أجنبية وفيرة، ما يعزز قدرته على مواجهة الضغوط التمويلية المرتبطة بالمشروعات الاستثمارية الكبرى.

شدَّد التقرير على أهمية استمرار تحفيز الإيرادات غير النفطية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، والإبقاء على إدارة مالية حكيمة من خلال إدارة متوازنة للدين والسياسات المالية لضمان الاستدامة المالية على المدى الطويل. كما أشار إلى دور الإشراف المالي القوي في دعم نمو الائتمان بشكل سليم، وتشجيع سوق مالية متعمقة تسهم في تسهيل تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة.

أبرز التقرير كذلك أن محركي النمو المستقبليين سيكونان القوى العاملة الماهرة والقطاع الخاص النشط، داعيًا إلى تطوير المهارات في القطاعات الحديثة والجاذبة للاستثمار، واستمرار تنفيذ قوانين تسهل دخول المستثمرين الأجانب، مع التأكيد على دور صندوق الاستثمارات العامة كمحفز للاستثمار الخاص المحلي والدولي.

من جهة أخرى، ارتفع مؤشر ثقة الأعمال في السعودية خلال ديسمبر بأعلى وتيرة منذ يناير 2025. حيث صعد المؤشر الشهر الماضي بنسبة 2.2 % على أساس شهري، ليصل إلى 62 نقطة، مسجلًا أعلى مستوى منذ مايو 2025، حسب البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، والتي اشارت إلى إن المؤشر يعكس تفاؤلًا سائدًا في قطاع الأعمال مدعومًا بثقة المنشآت في استقرار النشاط الاقتصادي ومواصلة النمو عبر مختلف القطاعات.

على مستوى القطاعات الاقتصادية الرئيسية، سجل مؤشر ثقة الأعمال في قطاع الصناعة ارتفاعًا في ديسمبر الماضي بنسبة 2.7 % على أساس شهري ليبلغ مستوى 62.2 نقطة. كما شهد مؤشر ثقة الأعمال في قطاع الخدمات نموًا بنحو 2.3 %، حيث سجل خلال الفترة 62 نقطة، فيما ارتفع المؤشر في قطاع التشييد بمعدل 1.8 %.

وعلى صعيد منفصل، ارتفعت موجودات المركزي السعودي 54 مليار ريال في نوفمبر 2025، إلى نحو 1964.4 مليار ريال، بزيادة تبلغ 54.1 مليار ريال مقارنة بشهر أكتوبر من نفس العام. وأظهرت النشرة الإحصائية الشهرية الصادرة عن البنك المركزي السعودي (ساما)، ارتفاع موجودات البنك خلال نوفمبر 2025 بنحو 103.2 مليارات ريال، مقارنة بشهر نوفمبر 2024.

كما ارتفعت تحويلات الأجانب بالسعودية إلى 12.6 مليار ريال في نوفمبر 2025، حيث سجلت نحو 12.6 مليار ريال خلال نوفمبر، بزيادة سنوية قدرها 5 % مقارنة بنوفمبر 2024. فيما تراجعت تحويلات الأجانب المقيمين في المملكة، خلال نوفمبر 2025 بنسبة 8 % على أساس شهري، حسب بيانات البنك المركزي السعودي (ساما).

أما تحويلات السعوديين للخارج خلال نوفمبر الماضي فقد انخفضت بنسبة 22 % على أساس سنوي، لتصل إلى 4.8 مليارات ريال، مسجلة بذلك أدنى قيمة لها منذ 21 شهرًا.

إلى ذلك، جمعت شركة الاتصالات السعودية "إس تي سي" ملياري دولار من طرح صكوك مقومة بالدولار الأمريكي على شريحتين، الأولى بقيمة 750 مليون دولار لأجل 5 سنوات بعائد يبلغ 75 نقطة أساس. والشريحة الثانية بقيمة 1.250 مليار دولار لأجل 10 سنوات بعائد 90 نقطة أساس. وبلغ إجمالي سجل الأوامر أكثر من 8 مليارات دولار عبر الشريحتين، بمعدل تغطية تجاوز 4 مرات، مع مشاركة أكثر من 300 مستثمرًا في الاكتتاب.

من جانبهما، جمع بنكي الراجحي والرياض ملياري دولار من طرح أدوات دين في الأسواق الدولية نهاية الأسبوع الماضي، حيث أتم مصرف الراجحي طرح صكوك رأسمال إضافي من الشريحة الأولى ذات طابع اجتماعي مقوّمة بالدولار، بقيمة مليار دولار، بعائد سنوي 6.15 %، على أن تكون الصكوك دائمة مع أحقية الاسترداد بعد خمس سنوات.

فيما أصدر بنك الرياض أدوات دين رأسمال مستدامة من الشريحة الثانية بقيمة مليار دولار، بعائد 5.805 %، ولمدة 10 سنوات، مع إمكانية الاسترداد بعد خمس سنوات. من المقرر إدراج صكوك مصرف الراجحي وأدوات دين بنك الرياض في السوق المالية الدولية ببورصة لندن، على أن تُطرح للمستثمرين خارج الولايات المتحدة بموجب اللائحة اس رقوليشن.

من جهة أخرى، بدأت المملكة تبدأ طرح أول سندات دولية في العام الجديد عبر إصدار مُقوم بالدولار على أربع شرائح، مواصلة بذلك نشاطها في أسواق الدين العالمية بهدف تمويل المشاريع الضخمة الهادفة لتنويع الاقتصاد.

أظهرت خدمة (آي.إف.آر) لأخبار أدوات الدخل الثابت، أن السعودية جذبت طلبات تجاوزت قيمتها 20 مليار دولار لشراء أول إصداراتها من السندات الدولارية في 2026. حددت المملكة السعر الاسترشادي للسندات الدولارية لأجل ثلاث سنوات عند نحو 95 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأمريكية، فيما بلغ السعر الاسترشادي للسندات لأجل خمس سنوات نحو 100 نقطة أساس فوق المؤشر نفسه، وجرى تحديد السعر الاسترشادي للسندات لأجلي 10 و30 عامًا عند نحو 110 و140 نقطة أساس على التوالي.

خلال الأسبوع الماضي، أقرت وزارة المالية السعودية خطة اقتراض للعام الحالي تتضمن بيع سندات دولية تتراوح بين 14 و20 مليار دولار، فيما توقع “جولدمان ساكس” أن تصدر المملكة ديونًا دولية قياسية بقيمة 25 مليار دولار خلال العام الجاري، ورجح “بنك أوف أمريكا” توجهًا أكبر لتنويع مزيج التمويل، بما في ذلك القروض المشتركة.

جمعت المملكة 11.5 مليار دولار من سندات دولية، في إطار سعيها للاستفادة من الأسواق العالمية لتمويل مشاريع ضخمة تهدف إلى تقليل اعتمادها الاقتصادي على النفط. وأعلن المركز الوطني لإدارة الدين، إتمام أول طرح لسندات السعودية المقومة بالدولار في عام 2026، مشيرًا إلى أن إجمالي حجم طلبات الاكتتاب على الإصدار بلغ ما يقارب 31 مليار دولار، بمعدل تغطية 2.7 مرة من إجمالي الإصدار.

توزع الإصدار على 4 شرائح، بلغت قيمة الأولى 2.5 مليار دولار لسندات مدتها 3 سنوات تستحق في عام 2029، والثانية بقيمة 2.75 مليار دولار مدتها 5 سنوات تستحق في 2031. فيما بلغت قيمة الشريحة الثالثة 2.75 مليار دولار ومدتها 10 سنوات تستحق في عام 2036، وبلغت قيمة الشريحة الرابعة 3.5 مليارات دولار لسندات مدتها 30 سنة تستحق في عام 2056.