كثيراً ما يسألونني كيف صرت كاتباً، ومتى فكرت في الكتابة، وفي أي من أعوام عمري بدأت بها؟ وهذه الأسئلة، المفترض أنها معروفة، بسبب من أنني أجبت عليها مراراً، تأتي في سياق استغراب هو في موضعه تماماً، كوني لم أتجاوز، في دراستي، المرحلة الابتدائية، فأنا من مدينة اسكندرونة، في اللواء العربي السليب، ولم تكن في هذه المدينة إلا مدرسة ابتدائية واحدة، اسمها "المدرسة الرشدية" وعلى من يريد الدراسة، بعد المرحلة الابتدائية، أن يطلبها في حلب، فكيف لي أنا الفقير فقراً أسود، أن أذهب إلى حلب، واللقمة، في مدينتي، بالكاد أحصل عليها.

ومع أنني من أنصار المرأة، وقد كرستها كتاباتي بهية، وطالبت بأنصافها، فإن أمي، الخادم في بيوت الناس رحمها الله، رغبت رغبة شديدة، بادخالي إلى مدرسة تبشيرية في اسكندرونة، لأتعلم شيئاً من اللغة الإنجليزية، لكنني رفضت دخول هذه المدرسة، لا لكرهي التعلم، أو حاجتي إلى العمل لأساعد عائلتي، بل لأن مديرة هذه المدرسة امرأة.. فتأملوا!

ربما كانت هذه ذريعة، تعلّة، حجة لا أكثر، فالحقيقة الكامنة في اللاشعور تخفّت تحتها، أو في ثناياها، قصدية مغايرة مردها إلى الفقر الذي كنت فيه، والجوع والعري والحرمان الذي أكابده، وضرورة أن أعمل، مهما يكن نوع العمل، كي أساعد عائلتي ونفسي، ولم أجد عملاً، أنا الصبي، إلا أجيراً عند مؤجر دراجات، وهكذا انتقلت بصفة أجير، من عمل إلى عمل، حتى صرت أجير حلاق، وتعلمت هذه المهنة ومارستها، قبل أن أنتقل منها إلى الصحافة، وبصفة أجير بادئ الأمر.

كنت كالحديدة تحت مطرقة الحدّاد، الحديدة التي ألقى بها الزمن في نار التجارب الكاوية، ثم تطرّقت، تشكلت، اجتازت المعبر البارد، أضاعت طفولتها، كما قلت سابقاً، في الشقاء، وشبابها في السياسة، وتابعت، خلال ذلك كله المطالعة بنهم شديد، الأمر الذي أفادها في كتابة الرسائل للجيران، وفي كتابة العرائض للحكومة، تطالب بإصلاح هذا الرصيف، وتزفيت هذا الطريق، ومناصرة للذين كانوا يجاهدون، سراً وعلناً لتحقيق العدالة الاجتماعية.

كان الخروج إلى العالم أحد هواجسي، وبدافع منه تطوعت في البحرية الفرنسية في سورية على أمل إرسالي مع الآخرين لمحاربة رومل في العلمين بمصر، إلا أن رومل، الذي لقّب بثعلب الصحراء اندحر، فضقت ذرعاً بالخدمة العسكرية لدى فرنسا التي تحتل سورية، ساعياً سعياً حثيثاً للإفلات من الطوق، وتيسر لي ذلك بالواسطة، فخلعت ثياب الجندي، ولبست القميص الأبيض لأشتغل حلاقاً، في دكان صغيرة، على مقربة من ثكنة غورو في اللاذقية، وأباشر الكتابة، على شكل مقالات وقصص قصيرة، نشرتها بعض الصحف والمجلات في سورية ولبنان.

إن الحياة العريضة، العميقة المدماة الي عشتها بكل مرارتها وحلاوتها، قد عشتها لأنها كانت حياتي، وكانت مفروضة من قدر خطها في صفحات عمري، قبل أن أفكر بالكتابة. كنت أحب الطبيعة: البحر، الغابة، البراري، الجبال، الاحياء، الأزقة الخلفية، الأمثال، العيش مع الناس، ودخول السجون أيام الاحتلال الفرنسي لسورية، الاختلاط بالبحارة والعمال والفلاحين، الاصغاء إلى ما يقولون، تدوين ملاحظات في المخيلة، التحديق في ما يفعله الآخرون، التعرف إلى قاع المدينة، إلى حقول الريف، قضاء الليالي وأنا استمع، بشوق بالغ، إلى قصص والدي، بحيث أصبحت في كبري، وفي فني، أعيش على فتات مائدته القصصية، الغنية بأطباق من القص لا مثيل لنكهتها وعذوبتها، ولا شبيه لقسوتها وغرابتها.

لقد فرض علي الزمن أن أنهض من الحضيض ، من وحل المستنقعات، من رمال الشواطئ، من وحشية الغابات، من الحفر في طرقات السهول وشعاب الجبال، وأن أتذوق، من شدة التعب والظمأ، اسفنجة الخل، دون دفتر وطن كالذي لصديقي الشاعر الملهم محمد الماغوط. كانت مخيلتي هي دفتري، تنقش الأيام عليها ما أعانيه، ولست أدري ما إذا كان الجاحظ يدون ملاحظاته، أم يحفظها مصرورة في تلافيف دماغه، وكل ما أعرفه عنه شهرته بدقة الملاحظة،وعمق التجربة، بعمق العيش، وعمق رؤية الدنيا من حوله، ناساً ومجتمعاً وعمراناً، وبمشاهدة كل ما تكلم عنه مشاهدة عيانية.

ومن النافل، بعد هذا، التذكير بأن دقة الملاحظة من أولى صفات الأديب الحق، فالملاحظات الدقيقة الصغيرة ووضعها موضع التجريب كما كان يفعل الجاحظ، هي التي تمد هذا الأديب بالمادة الغزيرة، المطاوعة، لأدبه. غير أن الأديب، كي يلاحظ بدقة، يحتاج إلى ما يلاحظه، فالحياة طبيعة وكوناً لا تأتي الناس في بيوتهم، عليهم أن يخرجوا إليها، أن يغامروا في طلبها، أن يعيشوها بكل خطوطها وألوانها، وأن يكونوا فيها فاعلين، منفعلين، مؤثرين، متأثرين، لا متلقين محايدين.

"العيش جميل يا صديقي" هذا ما يقوله ناظم حكمت. تعظم هذه العبارة إذا عرفنا أن ناظم حكمت حكم عليه بالسجن 51عاماً، وأنه قضى منها أكثر عمره في السجون، وغالباً في زنزانة منفردة، وهو يؤكد، من خلال تجربته، أن العيش جميل حتى في السجن الانفرادي، لا مدحاً للزنزانة، وإنما زهواً بطاقة المكافح على الاحتمال، حتى وهو داخلها. وقد أوصى في إحدى قصائده ابنه محمداً ألا يمر بالدنيا كمستأجر، بل كمن يسكن بيت أبيه.

لقد سئلت يوماً: "كيف تتعامل مع روايتك بعد كتابتها؟" فأجبت دون تحفظ: "كالمرأة المطلقة"! وسئلت، أيضاً: "الكاتب كالأب، والأب يحب جميع أولاده، فلا بد أن يحب الكاتب جميع كتبه!" وكان جوابي: "إنني لا أحب كتبي ولا أولادي، اتعلم أن أحب أولاد الآخرين، وكتب الآخرين، إذا كانوا أفضل من أولادي وكتبي!" وقد جاءتني ابنتي البكر سلوى، وهي طبيبة أطفال ناجحة جداً، معاتبة يوماً، بسبب هذا الكلام الذي كدت أنساه. قالت لي: "إننا كنا على الغداء عند الأصدقاء، وكان الحوار يدور حول الأولاد، وقيل لي إن والدك أعلن أنه يحب أصدقاءه أكثر من أولاده، ففوجئت وكدت أبكي من شدة التأثر" أجبتها: "رب صديق أقرب إلى النفس من ولد، إذا كان هذا الصديق أفضل من ولد" فلم تقتنع ابنتي، وبقيت معها على خلاف!

  • دمشق -