مثله مثل عدد غير قليل من الأفلام السينمائية الجزائرية التي تم إنجازها بتمويل مشترك فرنسي جزائري، ومثله مثل عشرات الروايات والأعمال الأدبية الجزائرية التي حظيت باهتمام كبريات دور النشر الفرنسية، لم يشذ فيلم "بركات" لمخرجته جميلة صحراوي عن القاعدة التي تقرّب العاملين بها إلى الشهرة والمجد بقدر "تفانيهم" في تكريس الفكر الكولونيالي واجترار أطروحات جماعة لاكوست، والاستثمار الأعمى بل الاقتتات من محنة العشرية السوداء عبر تحريك السؤال المشبوه "من يقتل من؟"، ونبش ذاكرة شهداء الثورة التحريرية.

واستمراراً لحملة الانتقادات الشرسة والحادة التي رافقت فيلم "بركات" لمخرجته المقيمة بباريس، منذ عرضه شهر نوفمبر / تشرين الثاني بقاعات السينما الجزائرية، وهي الانتقادات التي وصفت الفيلم ب "غير العادي" و"الخطيئة التاريخية والثقافية" و"سينما الكولون" و"فيلم الفضيحة"، عادت أقلام النقاد السينمائيين الجزائريين لتنهال مجدداً على مضمون الفيلم ورسائله المشبوهة، بعد حصوله مؤخراً على جائزة أحسن فيلم عربي في الدورة الثلاثين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي إلى جانب الفيلم المصري "قص ولزق".

وتساءلت الصحف الجزائرية أمس كيف لفيلم يسب الجزائر ويعتمد السخرية والتهكم الصريح لشهداء ومجاهدي الثورة الجزائرية، ويوجه أصابع الاتهام صراحة لقوات الأمن الجزائرية بضلوعها في تقتيل الأبرياء، تشرفه القاهرة بجائزة، في حين عاد نفس الفيلم خائباً بل خالي الوفاض من الدورة ال 21لمهرجان قرطاج السينمائي الدولي الذي احتضنته الجارة الشقيقة تونس. ولم تكن انتقادات الصحف الجزائرية رحيمة هي الأخرى بالتلفزيون الذي ساهم في تمويل الفيلم، وتساءلت الأوساط الإعلامية هل اطلعت هذه المؤسسة الرسمية الجزائرية العمومية فعلاً على مضمون فيلم لا يتحرج العارفون من تصنيفه ضمن خانة "أفلام الكولون". وذهبت اجتهادات بعض الكتابات إلى القول ان التلفزيون الجزائري إن لم يكن أمهل نفسه فرصة القراءة المتأنية لسيناريو الفيلم، فهو يكون بذلك قد تورط تورطاً صريحاً في الإساءة لأجهزة الدولة ولقوافل الشهداء والمجاهدين، وضحايا المأساة الوطنية، وحماة الوطن من ممثلي المؤسسة الأمنية والعسكرية.

وتشير تحاليل النقاد أن الجزائر التي تشهد علاقاتها مع فرنسا نوعاً من الفتور والتوتر منذ الثلاث سنوات الماضية على خلفية ملفات عالقة بين البلدين لها صلة بالذاكرة التاريخية بالأخص ما تعلق بقانون 23فبراير الممجد للاستعمار، تجد نفسها اليوم في مواجهة سينما يصنعها "أبناؤها"، ويشاركون باسمها في المحافل الدولية، لكنها لا تختلف في أبعادها عن السينما الكولونيالية التي ظلت منذ الأربعينيات والخمسينيات تواجه خصماً عنيداً هو سينما الثورة التي عرف أبناؤها الحقيقيون كيف ينتصرون على قلة إمكاناتهم المادية والمالية لقضيتهم العادلة ويحاربون الكليشيهات الاستعمارية التي كانت تصور العسكري الفرنسي بالرجل الفاضل والاستعمار بالفعل الحضاري والجزائر بمحمية للكلاب الضالة.

ولعل الأسوأ من هذا كله، أن فرنسا التي ترفض لحد الساعة الاعتذار عن جرائمها الاستعمارية في الجزائر أدركت أن تمويلها لأفلام من نفس طينة فيلم "بركات" كفيل لوحده، وبعيداً عن تجاذبات السياسيين والدبلوماسيين لضفتي البحر المتوسط، أن يجنب فرنسا "عناء الاعتذار" بل كفيل بأن "ينصف" فرنسا الاستعمارية ويظهرها بمظهر "المستعمر الإيجابي" الذي دخل الجزائر ذات عام 1830ليمدّن أهلها، وهي لن تتوقف عن هذا الحد، بل ستسعى لتمويل كل عمل سينمائي أو أدبي أو مسرحي يغض فيه منجزوه ممن يسمون عبثاً جزائريين الطرف عن رسائل سبق لأفلام "جزائرية" أن نهشت بها ذاكرة الثورة وشهدائها.

ويروي فيلم "بركات" والعنوان باللهجة المحلية ومعناه باللغة العربية "كفى"، يروي قصة زوجة صحفي جزائري يختطف زمن العشرية السوداء من قبل الإرهاب، تضطر الزوجة للبحث عن زوجها بالاستعانة بصديقة لها تعمل في مجال الطب بدلاً عن مصالح الأمن، قصد الوصول إلى معاقل جماعات الموت، وهناك تكتشف أن أحد خاطفي زوجها مجاهد سابق في صفوف جيش التحرير الوطني، وهو الذي أفتى باختطاف الأبرياء وقتل العزل. ولا يخلو الفيلم من الكليشيهات الجاهزة عن الوضع الأمني في الجزائر زمن التسعينيات، وعن المرأة وعلاقاتها بالرجل وعن المجتمع التقليدي، وعدد من القضايا القيمية والأخلاقية التي يتناولها الفيلم بنوع من الاستهزاء في مقاربة فرنسية تعتمد الطرح الاستعماري في فهم تحولات المجتمع الجزائري.