تحتفل هذا اليوم الثلاثاء جامعة الملك سعود بالرياض ممثلة في قسم اللغة العربية وآدابها وفي جمعية اللهجات والتراث الشعبي بتكريم الأديب والباحث الفولكلوري القدير الأستاذ عبدالكريم الجهيمان صاحب "أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب" بأجزائه الخمسة، و"الأمثال الشعبية في قلب جزيرة العرب" بأجزائه العشرة.

والحقيقة أن هذه المبادرة من جهة أكاديمية معتبرة لتكريم الجهيمان تعدّ خطوة تستحق الإشادة للاحتفاء بباحث أمضى جلّ عمره في الجمع والتصنيف والعمل الجادّ لجمع التراث الشفهي في الجزيرة العربية. إن ماقام به الجهيمان من رصد وتتبع دقيق للأمثال الشعبية وللحكايات والخرافات والقصص والمقولات السائرة المختلفة يعد بمثابة جهد فريق متكامل في مؤسسة وليس مجرد جهد فردي بدون دعم مالي ولا تشجيع. ذلك أن القيام بجمع التراث الشفهي في مكان كبير متنوع الثقافة ومتعدد القبائل والقرى والمدن يعتبر أمرًا عسيرًا إذا علمنا صعوبة المواصلات وضعف الإمكانات في تلك الفترة التي عمل فيها الجهيمان.

لقد كان الجهيمان مثالاً للباحث الذي يدفعه حب العمل والإخلاص له أن يستمر في التأليف ويتغلب على الصعوبات التي ليس أقلها صعوبة الطباعة والنشر. فلم يكن يرجو الحصول على درجة علمية أو ترقية معينة، بل كان إحساسه بقيمة الموروث الشعبي هو الذي دفعه إلى محاولة تدوين النصوص الشفهية لكي يحفظ ما يمكن حفظه من تراث معرض للزوال مع كل يوم يمر. وقد كانت كتبه المصدر الأساسي لما يتصل بثقافة العرب وتقاليدهم وفق التصنيفات العلمية التي من أبرزها مصنف الدكتور حسن الشامي (Types of the Folktale in the Arab World: A Demographically Oriented Approach. by Hasan El-Shamy).

ومما لا شك فيه أن الجهيمان بذل جهده في رصد الحكاية الشعبية (folktale) والخرافة (myth) التي تعني لديه ما تعنيه الأسطورة (legend) وفقًا للإمكانات الشحيحة المتاحة له في ذلك الزمن. ومع هذا، فقد استطاع أن يوثق لنا الأمثال الشعبية وحكاياتها وفقًا للهجة التي تروى بها مع محاولة لبيان دلالتها بالفصحى.

أما الأساطير الشعبية فقد جمع ما يقارب (184) حكاية؛ كان هو الراوي لها وفق صياغته اللغوية. وهذا ما يجعلنا نتعرف على المؤلف الجهيمان باعتباره الرواي وندرك تصوراته التي تعكس معطيات ثقافية للمجتمع في فترة سابقة. وعلى الرغم من كونه ينسب تلك الحكايات إلى مصادرها البشرية إلا أن أصوات الرواة ظلت غائبة عن تلك النصوص. والحقيقة أننا يمكن أن نعرف السبب الذي دعا الجهيمان إلى إعادة صياغة الحكايات الشفهية وهو أنها تروى له شفهيًا باللهجة العامية أو تكتب له، فينقلها بعد أن يجري عليها تغييرات لغوية وأسلوبية لكي تكون أقرب إلى الفصحى. ذلك لأن الهدف كان معرفيًا يركز على المادة نفسها (الحكاية) بغض النظر عن الوسيلة اللغوية التي نقلت بها.

يشار إلى أن الاتجاهات الحديثة في دراسة التراث الشفهي تضيف إلى الهدف المعرفي -الذي حققته مؤلفات الجهيمان بكفاءة- أهدافًا أخرى تتعلق بالتوثيق العلمي للنصوص الشفهية. ومن ذلك ضرورة تسجيل النصوص الشفهية بالصوت أو بالصوت والصورة إن أمكن. لكن التسجيل الصوتي يعتبر شرطًا لا يمكن التخلي عنه لمن يتصدّى لجمع الموروث الشفهي. ثم تدوين تلك المادة كما هي دون تعديل أو تحرير أو إضافة أو حذف بما في ذلك الأخطاء والتكرارات والتوقف والأصوات المرافقة للكلام كالتأتأة والنحنحة والتثاؤب أو الكحة المفتعلة ورفع الصوت أو تغيير نبرته. كما يتطلب كذلك كتابة الحركات الجسدية للراوي أثناء روايته للنص من طريقة الجلوس وهز اليد أو حك الرأس أو الخد أو عرك العين أو تغميض أو تمسيد اللحية أو عض الشفة أو التفاتات أو رفع الرأس أو إطراقه أو غير ذلك من التصرفات السلوكية التي ترافق رواية بعض الأشخاص من الجنسين للحكايات والقصص. يضاف إلى ذلك وصف المكان والزمان المحيطَين بعملية الرواية؛ فالراوي الذي يكون في مكان مفتوح قد يروي النص بطريقة ربما تختلف عمن يرويه في مكان مغلق أو مظلم أو بارد أو غير ذلك؛ ومن يرويه منفردًا يختلف عمن يرويه بحضرة مجموعة من الناس؛ ومن يرويه في ظروف السفر وجلسات السمر يختلف عمن يرويه في منزله أو في الشارع أو في المسجد أو في المدرسة مثلا. إن التأثير النفسي للمكان والزمان يعتبر عاملا مهمًا في التعرف على التصورات الشعبية والعادات السلوكية للناس المرتبطة بذلك المحيط.

جدير بالذكر أن نقل اللغة الشفهية بشكل قريب للنص المنطوق مفيد للباحثين في التراث الشفهي للتعرف على الرواة وطرق الأداء ومدى اختلاف تلك الطرق وتنوعها حسب معايير معينة كالجنس والعمر والحالة الاجتماعية والصحية والمستوى الاقتصادي والثقافي للراوي؛ وبحسب نوع النصوص المروية إن كانت حكايات أو قصصًا تاريخية أو خرافات أو نكتًا؛ وبحسب المضمون إن كان تراجيديًا أو فكاهيًا؛ وبحسب بعد الراوي أو قربه عن ذلك المضمون، أو بحسب علاقة الرواي بشخصيات حكايته. كما يفيد النقل الدقيق للنصوص الشفهية في التعرف على القيم الثقافية للمجتمع التي يبرزها الرواة أو تلك التي يحاولون إخفاءها باعتبار أولئك الرواة عناصر ممثلة للمجتمع. ويمكن استقراء ذلك من سلوك الراوي كالتردد أو التلعثم أو تغيير رأيه في اسم أو مكان معين أو تراجعه عن الرواية أو تكراره لتيمات معينة في القصة أو محاولة نقل مشاعره الخاصة عند رواية حدث معين، وغير ذلك من الملاحظات التي تعتبر مهمة في التعرف على القيم الثقافية التي قد لا تصرّح بها النصوص. علاوة على أن نقاء المادة الصوتية يفيد في دراسة اللهجة واللكنة والأساليب التعبيرية التي لا تتيسر دراستها دون وجود مادة خام يمكن فرزها في المختبرات الصوتية وتحديد سماتها اللغوية.

لقد بدأ الجهيمان مشروع جمع التراث الشفهي وفق الإمكانات القليلة التي أتيحت له ولكن بروح عظيمة شامخة ذلّلت الصعاب بقوة العزيمة وصدق الإرادة. ونحن اليوم بحاجة إلى استكمال ذلك المشروع بالتوثيق العلمي الدقيق للموروث الشعبي الذي ينبغي أن تنهض به المؤسسات والجهات الأكاديمية المعنية بالتراث الشفهي وعلى رأسها "جمعية اللهجات والتراث الشعبي" في جامعة الملك سعود. وهي جمعية وليدة تحتاج إلى الدعم المالي لكي تقوم بمهمتها في حفظ تراثنا الشفهي، وإبراز هويتنا الوطنية، وتصنيف ذلك التراث ودراسته، وجعله متاحًا للباحثين وللباحثات في الوطن العربي والدولي. وهذا الجهد سوف يسهل مهمة الدارس العربي أو الأجنبي الذي لن يجد صعوبة في تقصي المعلومة وتحليلها وتفسيرها متصلة بجذوها؛ ويقلل من الآراء التخمينية المغلوطة ضد ثقافتنا وقيمنا.