مقدمة:

  • في رواية "الآخرون" اختارت صبا الحرز أن تقدم ذاتها الروائية بشكل مختلف، متجاوزة عثرة البدايات، وفي موضوع شديد الحساسية استطاعت صبا أن تقدم رؤية مختلفة عن ممارسات محاطة بالسرية وبالكتمان، اللغة الشعرية التي تحمل طابع الرهافة دونت هذه الممارسات، كذلك استثمرت رؤيتها للآخر حسب ما تراه وليس حسب ما يراه الآخرون. موضوع الرواية بعوالمه الجريئة يأخذ الرواية في اتجاه آخر. ويخلق ردود فعل متطرفة لدى المتلقي. ولثقافة (الرياض) تتحدث صبا الحرز وتبوح عن عوالم "الآخرون".

@ بماذا تشعرين. عندما يقال عن رواية "الآخرون" رواية فضائحية، رواية تكشف المستور. ويستمر الحديث عنها في هذا المستوى. وبالتالي يتم تغييب الجانب الفني في الرواية؟.

  • الامتعاض الذي كان يراودني في البداية تبدد، وبقيت الغرابة. التوقيت الذي نزلت فيه الرواية، والدعاية الموجهة واختلاف المستويات القرائيّة وبُعد المسافة بين ما هو فَنّي وما هو اجتماعي أو قربها وحتّى الهوس الأخير بالفضح وعدمه. . انتهت جميعها لمنح الرواية صبغة الفضائحيّة. لكني أقلّ البشر ارتباطاً ب "الآخرون" ولقد فهمتُ مبكراً أنّ علي الوقوف خارج الدائرة.

    @حساسية موضوع الرواية يتم التعامل معه على مستوى اللغة برهافة، هذه اللغة التي تم الاعتناء بها جيدا. ألم يكن هناك حاجة الى لغة متباينة، لغة صاخبة، تناسب موضوع يلامس مناطق محذورة. فنلاحظ حتى حوار الشخصيات يتم بعناية. وربما أحيانا نشم فيه رائحة التكلف؟.

  • حاولتُ الاشتغال على لغتي، ولستُ أزعم أنّي ذهبتُ في ذلك بعيداً، كنتُ قد حظيتُ دائماً بالإطراء على مستوى اللغة، رغم أنّي أجدها في الرواية سيئة بقدر لا بأس به. هذا بالإضافة لكوني أسوأ كاتب حوارات على الإطلاق. أعتقد أنّ لغة الرواية كانت أثقل مما يجدر بها أن تكون عليه، أثقل مما تتحمل الرواية نفسها، ولو أنها كانت أكثر حرّية وحيويّة لأقنعتني أكثر كقارئة. من ناحية مقابلة، هذه اللغة بالذات نفعتني بشيء كان شديد الأهمية بالنسبة ل "الآخرون": المواربة.

@الرواية بعنوان "الآخرون"ولم أجد أثراً للآخرين في النص، أعني الرواية قائمة على هذيان داخلي، لفتاة ممتلئة بالهلوسة، ليس هناك حضور حقيقي لتباين الآخر، حتى تلك الخطفات التي يتم فيها استحضار الآخر يتشكل برؤى ذاتية جاهزة لبطلة الرواية؟

  • إذا لم تكن هي نفسها آخر فلا بد أنّي كتبتُ النصّ الخطأ أو أنّك قرأت النصّ الخطأ! لا يوجد ثان من غير أول، ولا يوجد كذلك آخر من دون آخر.

@ أدري لا يوجد آخر من دون آخر. ما قصدته أن حالة البطلة النفسية ورؤيتها المرتدة الى داخلها لا يسمح لها الاعتناء بما يطرحه الآخر، بل هي متصالحة معه الى حد كبير، أليس في علاقاتها مع ريان وعمر. وكذلك حديثها باللهجة البيضاء دلالة هذا التصالح. لست أحصر الآخرية بالدين أو المذهب أو المنطقة أو. . . ألخ. الآخرية هنا كانت على صعيد كوني فردا وكونك فردا وأننا بكلّ أشكال العزلة الممكنة والتوحش متباينون وفرديون وبالخصوص عاجزون عن المشاركة، وأننا شيئاً فشيئا على طول حياتنا ننسحب إلى الداخل، ونجهل كيفية الخروج.

@ المشاهد الحسية أخذت مساحات هائلة من النص، والبعض منها تمت صناعته بطريقة السادو- مازوكية. بهارات العنف المبثوثة في تلك المشاهد، هل هي من باب اضفاء العمق لتلك العلاقات التي تبدو هشة خارج دائرة الحسي؟

  • العمق آتٍ من مجموع المخاوف والضياعات والأحزان وغبار الماضي وانعكاس الذات وصورتها، التي تدفع بأحدٍ للمشي في الطريق المُهلِك هكذا علاقات، علاقات تقوم على الأذى. جميع العلاقات، بكلّ أشكالها التي رصدتها الرواية كانت غير مستقرة، وقابلة للانحلال في أيّ وقت. الحسيّ في الرواية يبدو كما لو أنّه ابتلع كلّ العلاقة ليعيد انتاجها في حالات شدّ متعاقبة.

@ شخصيات الرواية يتحدثن بلغة راقية، يتم التجادل بينهن بفلسفة عميقة، الخطاب العاطفي الذي تنتجه تلك العلاقة يبدو جمالياً إلى حد بعيد. على مستوى الصدق الفني. هل هذا الأمر يبدو مقنعاً؟

  • لا يفترض بي تكريس الصور الأكثر نمطية عن موضوع كتابتي. وليس شرطاً أنّ الابتذال والسوقيّة والجهل ستكون مقنعة لي في المقابل، لا على مستوى الصدق الفني ولا على مستوى أنّ تكون الشخصية الروائية مُقنعة وحقيقية، هي كذلك -مقنعة وحقيقيّة- بالنسبة لي في تمام الصورة التي كتبتها بها. الحصانة العائلية والتربية المتزنة والروح الخلاقة والمؤهل الدراسي والثقافة الذاتيّة جميعها لم تمنع عن هؤلاء الفتيات الخوض على طول الرواية في ضياعهن وتعبهن.

@ لماذا كانت بطلة الرواية دوماً تتخذ الجانب السلبي في علاقاته، تكون هي الشخصية التي تُقهر، تُعذب، يُمارس ضدها الأذى؟.

  • نحن نحقق خوفنا لفرط ما نخاف، ونسعى بوعي أو من دونه لنمشي في المسارات أو نتخذ المواقف التي تقودنا جميعها وبشكل مُحتّم إلى ما نخاف. الأكيد، أنّ التعرض للأذى في حياتنا مسألة اختيار، لا يمكن أنّ تؤذى من دون أنّ تسمح بذلك مسبقاً. لقد تركت إشارات عديدة على طول الرواية تجيب عن "لماذا" وهو دور القارئ في اكتشافها واستخدامها لفهم الشخصيّة الروائية ومعرفة دوافعها.

@ بطلات الرواية يدخلن في مأزق المثلية، لمجرد موقف عارض، أتصور هذه المواقف العارضة لا تخلق انتماء حقيقيا لعالم المثلية، لأنها تجارب تحدث لمرة واحدة. ما حدث في الرواية هو تبسيط لحالة الانتماء لهذا العالم. . أليس كذلك؟ هذا العالم لم يكن ثيمة الرواية، ولا تخليقه وطرحه كان من مقاصدها الأوليّة. لقد استخدمته لأجل القول، لكنه ليس ما قيل أو مازال يُقال عبر الرواية. لكن، ما العارض؟.

  • التفاصيل الصغيرة العابرة أو الأخرى الأكثر خفاء وسرّية، تلك التي تقلب حيواتنا أو تدفعنا لطرق دون أخرى، ليست عارضة. لا يوجد ما هو عارض في أنّ تختبر هويتك، للدوافع الخطأ، وتنتهي غالباً بإجابات متعسرة!

@ الانتقال لعلاقة عاطفية مع عمر تم ببساطة لبطلة كقارئ كان الأمر مفاجئا لي. لم يكن هناك تدرج منطقي في الأحداث يجعلني أتقبل فكرة المغايرة؟.

  • هل تؤمن بأن تصرفاتنا كبشر محكومة بمنطق محدد؟ وأنّ حياتنا واختياراتنا لا يمكن أنّ تتخذ انعطافات غير متوقعة وغير متسقة مع كلّ الحياة التي مضت؟ ولكني لا أؤمن بذلك. كما أنّي لستُ أجد توصيفاً مثل "علاقة عاطفية" يناسب بالفعل ما حدث. الشرارات المُفاجئة قد لا تخلق استمراراً أطول من عمءر شهاب، والتصريح بالحبّ وخوض انفعالاته قد لا يكون أبعد من نزوة ساعة. وربما - والأمر وارد أيضاً - يكون بالفعل ما كنا نبحث عنه دائماً. وفوق هذا وذاك: ماذا عن علاقتها بريان؟

@ البطلة التي تقول عن ريان "ريان يقول أشياء لا يعنيها، وينفخ في الكلمات ويطّيرها". اشعر بأن هذا الكلام ينطبق على بطلة الرواية، فهي تسرد الحكايات وتضخمها، دعيني أقول بشكل مباشر: أن أحداث الرواية تم تدبيرها افتراضيا. بمعني أنها صناعة انترنتية لم تلامس الواقع الحقيقي؟

  • هناك ما هو غير حقيقي بخصوص حيواتنا جميعاً، وليس اشتراطاً أن يكون نتّيا. أعتقد أننا مازلنا نجهل الكيفية التي يمكن أن يُقرأ بها نصّ كُتب في حيز افتراضي، ولذا ننتهي لوصمها بأنها تنقصها الواقعية، تحديداً إذا قرأناها بظنون مسبقة إزاء الافتراضي. ثمّ إن الراوية نفسها تلامس حياتها الحيز الافتراضي بقدر كبير، للحدّ الذي تسمّي فيه الأشخاص المتواجدين فعلاً في حياتها باسمائهم النتيّة، ولذا لستُ أجده غريباً هذا التخييل الموازي للحياة نفسها.

@ في حكاية ريان شُعرت بالصدق الفني، في تصوري كان هو الاستثمار الحقيقي في الرواية للعلاقات الافتراضية؟

  • الفصل نفسه تلقيتُ عليه تعليقات مثل: "نصّ شاعري مغرق في الجمال لكنه خارج عن رتم الرواية" أو "مجرد تعبئة فراغ لتوسيع الرواية" أو "حالة تجل للغة الرواية". القراءة المتعددة وردّ الفعل المتباين تجاه ما كُتب أمر طبيعي.

@ الحديث عن نوبات البطلة المرضية، اليس فيه شيء من رقرقة قلب القارئ والتعاطف مع البطلة؟

  • لا أعتقد أن القارئ بهذه السذاجة، ولو أنّي أبحث عن تعاطفه لكتبتُ عن مرضٍ أكثر شيوعاً وتلامساً لأغلب الناس لأسرق تعاطفهم عن طريقه. ما كنتُ بحاجته هو تعزيز رؤية الراوية لجسدها، الرؤية السلبية القائمة على كونه مُعاقا وغير محبوب وعلاقتها معه تقوم على ما يشبه الاستخدام المحضّ، بالتالي، لن يكون سيئاً لو استخدمته على نحوٍ مؤذٍ أو أدخلته في تجربة لم يبحث عنها.

@ عندما كانت دارين تتحدث عن غياب أبيها، كان موقفها يبدو غريبا من الأب. هذا اذا ما عرفنا ملابسات فترة الغياب من خلال سياق السرد. ومع ملاحظة أن فترة غياب الأب كانت البطلة في سن صغيرة، لا يسمح لها بفلسفة غيابه؟

  • لا نحتاج لفلسفة الأشياء بالضرورة، ما يحركنا هو مشاعرنا تجاهها. ما وجه الغرابة في موقفها العدائي والمطبوع بالحدّة تجاه والدها؟ نتحدث عن حضور أب كان غائباً كليّاً وطفلة صغيرة تعاني من اضطرابات وملابسات وعدم فهم هذا الحضور ولا ذاك الغياب، غياب لم يستمر لعام أو اثنين، بل امتد طوال ثماني سنوات من عمر دارين، من حقّها والحال هكذا أنّ تُبدي تصرفات وانفعالات تعبر عن الفوضى التي أحدثها بوجوده.