خُطّط بطريقة هندسية وأقيمت على امتداده المحطات والاستراحات

برك المياه حُفرت ولا تزال معالمها وتفاصيلها المعمارية باقية

شهدت الجزيرة العربية فـي العصر الإسلامي ظهور وتطور سبعة طرق رئيسة للحج والتجارة، هي طريق الحج الكوفـي، وطريق الحج البصري، وطريق الحج الشامي، وطريق الحج المصري، وطريق الحج اليمني الساحلي، وطريق الحج اليمني الداخلي، وطريق الحج العُماني.

وتتصل هذه الطرق مع بعضها البعض فـي نقاط رئيسة أو بواسطة طرق فرعية، ولقيت طرق الحج عناية فائقة من قبل الخلفاء المسلمين، والأمراء، والوزراء، والأعيان، ومن محبي الخير من التجار والوجهاء على مر العصور، وبعض الطرق استمر استخدامه حتى عهد قريب، والبعض الآخر اندثر بسبب الظروف المناخية، والاقتصادية، والهجرات السكانية.

وأقيمت على طرق الحج منشآت عديدة، مثل المحطات والمنازل والمرافق الأساسية من برك، وآبار، وعيون، وسدود، وخانات، ومساجد، وأسواق، كما أقيمت على هذه الطرق الأعلام، والمنارات، والأميال، التي توضح مسار تلك الطرق وتفرعاتها.

درب زبيدة

وذكر د. سعد بن عبدالعزيز الراشد أن طريق الحج من الكوفة إلى مكة المكرمة يُعد من أهم طرق التجارة والحج فـي العصر الإسلامي، وعرف فـيما بعد باسم "درب زبيدة" نسبةً إلى السيدة زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد، وكان لها أعمال كثيرة فـي إقامة بعض المنشآت على هذا الطريق، وفـي مكة المكرمة، ومن أهم أعمالها حفرها عين زبيدة التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم، غير أن الطريق انتظم استخدامه بعد فتح العراق، وانتشار الإسلام فـي المشرق الإسلامي، فتحولت مناهل المياه، وأماكن الرعي، والتعدين على الطريق إلى محطات رئيسة، وبدأ الطريق يزدهر بالتدريج منذ عصر الخلافة الراشدة، وحتى العصر الأموي؛ وبانتقال مركز الخلافة من الشام إلى العراق فـي العصر العباسي أصبح الطريق حلقة اتصال مهمة بين عاصمة الخلافة فـي بغداد والحرمين الشريفـين، وبقية أنحاء الجزيرة العربية وحتى اليمن، وأعطى خلفاء بني العباس جل اهتمامهم بتأمين طرق المواصلات، وبالأخص طريق الكوفة من مكة، كما كان للأمـراء، والوزراء، والقادة، والوجهاء، إصلاحات أخرى كثيرة على الطريق.

علمية وهندسية

وتناول بحث للدكتور سعد بن عبدالعزيز الراشد طرق الحج الرئيسة من ضمنها طريق الكوفة - مكة؛ حيث يعد طريق الحج من الكوفة إلى مكة المكرمة من أهم طرق التجارة والحج في العصر الإسلامي، وفي ضوء المعلومات الواردة في المصادر التاريخية والجغرافية نجد أن طريق الحج العراقي - درب زبيدة - خطط مساره بطريقة علمية وهندسية متميزة، وحددت اتجاهاته وأقيمت على امتداده المحطات والمنازل والاستراحات، ورصفت أرضية الطريق بالحجارة في المناطق الرملية والموحلة، ونظف من الجلاميد الصخرية والعوائق في المناطق الوعرة والصخرية، وزود بالمرافق الضرورية من منشآت مائية كالسدود والآبار والبرك، وأقيمت على امتداد الطريق العلامات التي توضح مسار الطريق كالأعلام والمنارات والأميال، وأحجار المسافة والصوى والمشاعل والمواقيد ليهتدي بها المسافرون ليلاً ونهاراً.

وأوردت المصادر الجغرافية المبكرة إشارات عديدة الى المواقع والمرافق التي تولى إنشاءها بعض الخلفاء والأمراء والوزراء والأعيان وتذكر المصادر أن الخلفاء والأمراء كان لهم مبان وقصور خاصة بهم ينزلونها عند زيارتهم الأماكن المقدسة، ومن أبرز الخلفاء العباسيين الذين سافروا على هذا الطريق أبو جعفر المنصور والمهدي وهارون الرشيد، وأدى الرشيد فريضة الحج تسع مرات طوال فترة خلافته 170هـ إلى 193هـ - 786 إلى 809م -، وبهذا يكون قد قطع في رحلاته بين بغداد ومكة ما يقارب من 5698 ميلاً - 6.9686 كلم -، وكان في بعضها يحج ماشياً، وكان لطريق الحج من الكوفة إلى مكة عمّال ولاة يشرفون على الطريق ويتعهدونه بالصيانة والإعمار أولاً بأول.

27 محطة

ورصد الجغرافيون المسلمون 27 محطة رئيسة على الطريق من الكوفة إلى مكة و27 محطة ثانوية تسمى كل واحدة منها متعشى، وهي محطة استراحة تقام بين كل محطتين رئيستين، هذا خلاف المرافق الأخرى التي كانت تضاف على امتداد الطريق، وهناك طرق فرعية أخرى منها طريق معدن النقرة / المدينة، وبلغ امتداده حوالي 156 ميلاً - 265 كلم - تقريباً.

ويوجد طريق فرعي آخر تسلكه القوافل من معدن بني سليم - مهد الذهب - عبر الحافة الشرقية لحرة رهاط مروراً على صفينة وحاذة ثم المسلح، ويلتقي طريق البصرة مع طريق الكوفة في معدن النقرة حيث يصل إليه من النباج أو يتجه محاذياً له، حيث يلتقي الطريقان في ذات عرق.

ويتضح من المصادر التاريخية والجغرافية أن طريق - الكوفة مكة بلغ أوج ازدهاره في العصر العباسي المبكر، وشعر المسافرون على الطريق من أقصى المشرق الإسلامي بالأمن والطمأنينة، لكن الطريق تعرض لهجمات القبائل في فترات متعددة، وفي أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجري تعرضت محطات الطريق للتخريب والتدمير بواسطة القرامطة وتعطلت بسبب ذلك المنشآت المائية، وكانت هذه العوامل مجتمعة من أسباب اندثار معالم الطريق، وبسبب الخلل الأمني توقف الحجاج عن استخدام الطريق، إلاّ عند توفر الحماية العسكرية وفي مواسم الحج فقط، على عكس العصور المبكرة عندما كان الطريق يستخدم على نطاق واسع بدون حماية أمنية.

نمط معماري

وعلى الصعيد الأثري تم رصد الآثار الباقية على الطريق، ويتمثل ذلك في المواقع الأثرية والمنشآت المائية وآثار الرصف والتمهيد والأعلام، كما تم العثور على أمثلة من أحجار المسافة - الأميال - التي توضح المسافة بقياس البريد والميل، وكشفت المسرحات والحفريات الأثرية عن انصاص من القصور والتحصينات والمنازل والمساكن والمساجد في محطات الطريق، وقد كانت تخدم سكان هذه المناطق وقوافل الحجاج والتجار والمسافرين ويتوفر لهم في هذه الأماكن ما يحتاجونه من مأكل ومشرب وملبس وأوان وأعلاف لدوابهم، وأوضحت الدراسات الأثرية أن المنشآت المعمارية على طريق حج الكوفة مكة تمثل نمطاً معمارياً فريداً للعمارة الإسلامية المبكرة في جزيرة العرب، ويتمثل ذلك في أسلوب التخطيط المعماري والوظائف المختلفة، كما تميزت المباني بسماكة الجدران والأبراج، أيضاً وجود خزانات لحفظ المياه للشرب داخل المنازل وخارجها أضفى على هذه المواقع أهمية أخرى لاستقطاب المسافرين كما اشتملت المحطات على الأسواق والحمامات العامة وغيرها.

برك مياه

وأقيمت على امتداد الطريق برك للمياه حفرت وبنيت على مسافات متفاوتة، بعضها بالقرب من المحطات والمنازل، والبعض الآخر في أماكن نائية عنها، ولا يزال معظم تلك البرك واضحة للعيان بمعالمها وتفاصيلها المعمارية الدقيقة، والبعض الآخر قد طمرته الرمال، وتتنوع مساحات البرك وأشكالها، حيث صمم بعضها بشكل دائري والآخر جاء مربعاً ومستطيل التخطيط، ويصل طول الطريق من الكوفة وحتى مكة المكرمة حوالي 751 ميلاً - 7.1276 كلم -، وتوضح المعثورات الفخارية والخزفية والزجاجية والعملات والكتابات والنقوش الإسلامية مراحل استخدام الطريق خاصة في العصور الإسلامية الأولى.

مواقع أثرية باقية على الطريق
نمط معماري فريد
أطلس الحج والعمرة تأريخاً وفقهاً المؤلف/ أ. سامي بن عبدالله المغلوث