إن على أبناء الثقافات والحضارات العربية والإسلامية التيقن بأن النَّظَرِيَّةْ في السياسة الغربية هدفها الأساس تأصيل الانهزامية والخوف والتبعية في نفوسهم وقلوبهم، وخدمة السياسات والأهداف والاستراتيجيات التوسعية الغربية على جميع المستويات وفي كل المجالات..

عِلْم السياسة أحد أهم العلوم الإنسانية والإدارية التي اهتم بها المجتمع الغربي مُنذُ عهده الأول عندما كانت المدنية هي الدولة في العصر الإغريقي أو اليوناني. نعم، لقد سبقتهم أمم أخرى في دراستها لعلم السياسة والمجتمع الإنساني، ومن تلك الأمم الفراعنة والصينيون والهنود، إلا أنهم لم يذهبوا بتلك الاهتمامات بعيداً لظروفهم الداخلية والخارجية، ولم يهتموا بتطويرها والعناية بها لاعتبارات سياسية وثقافية، في الوقت الذي واصل المجتمع الغربي اهتمامه وعنايته بعلم السياسة حتى أصبح بمرور الزمن، وقرناً بعد قرن، علماً قائماً على أسس رصينة، ومناهج قوية، وثقافة غربية صِرفة. ومع استمرارية الاهتمام الغربي بعلم السياسة، تطورت أسسه وعناصره، وتشعبت فروعه ومواده، وتأصلت مناهجه وأدواته العلمية، حتى أصبح مرجعاً علمياً وفكرياً للمؤسسات الغربية، وحتى أضحى علماً مؤثراً رئيساً وصلباً في الاستراتيجيات والخطط السياسية الغربية داخل مجتمعاتهم وفي سياساتهم الغربية. وبعيداً عن الدخول في تفصيلات علم السياسة بفروعه وعناصره ومواده ومناهجه العلمية الرَّصينة والثابتة عبر مئات السنين والقرون المتتابعة، نجد أن للنظرية السياسية، وخاصة النَّظَرِيَّةْ السياسية في العلاقات الدولية، دوراً رئيساً في تعزيز المكانة الدولية والعالمية للمجتمعات الغربية، وفي الوقت نفسه لعبت دوراً رئيساً ومركزياً في تعزيز الانهزامية النفسية والتبعية الفكرية والثقافية والحضارية في نفوس الشعوب الأخرى على اختلاف ثقافاتها وحضاراتها وعراقة تاريخها. نعم، ففي الوقت الذي تطور فيه المجتمع الدولي وتعددت أطرافه ووحداته الدولية والأممية، تقدمت النَّظَرِيَّةْ السياسية في العلاقات الدولية بطروحاتها وأفكارها ومناهجها وأدواتها بما يتوافق ويتماشى مع ذلك التطور والتقدم الكبير والمستمر في المجتمع الدولي. وهذا التوافق في مُجاراة تطور المجتمع الدولي ساهم بتعدد النظريات التي تدرس وتفسر العلاقات الدولية، وفي الوقت نفسه تساهم مساهمة رئيسة في التوجهات الرئيسة لمجتمعاتها التي آمنت بأهميتها وأهمية أدواتها وعناصرها ورؤيتها المستقبلية، وكذلك تعمل على خدمة مصالح مجتمعاتها على جميع المستويات وفي كل المجالات. وبعيداً عن النقاش التاريخي في نظريات العلاقات الدولية، وتجنباً للطرح المُجرد للأدوات والعناصر والمناهج المُتعلقة بنظريات العلاقات الدولية، فإن الأكثر أهمية وإلحاحاً في وقتنا الراهن هو معرفة قوة التأثير التي تتمتع بها النَّظَرِيَّةْ في واقع السياسة الغربية، وكذلك مساهمتها المباشرة في تعزيز قيم ومبادئ الثقافة والحضارة الغربية في المجتمع الدولي. نعم، إن الحديث هنا يتركز على القيم والمبادئ والتوجهات والأفكار التي تحملها النَّظَرِيَّةْ السياسية الغربية في سبيل خدمة الأهداف والسياسات العليا لمجتمعها وجعله في مكان الصدارة بين الأمم، وهذا هو الجانب الأكثر أهمية الذي يجب على الشعوب والأمم الأخرى التعرف عليه لتتمكن من التعامل مع تلك السياسات الغربية بما يحقق المصالح المُشتركة، ولتكون قادرة على حماية مجتمعاتها، وصون أمنها وسلمها واستقرارها السياسي من التأثيرات السلبية لقيم ومبادئ وتوجهات وأفكار النَّظَرِيَّةْ السياسية الغربية بمختلف مسمياتها.

فإذا أخذنا ذلك الطرح النَّظريِّ المجرد إلى ساحة التطبيق في السياسة الدولية، فنجد أنَّ لنظريات العلاقات الدولية في السياسة الغربية أثراً قائماً في سياساتها الداخلية والخارجية، وأثراً ظاهراً وجلياً على باقي الشعوب والأمم في مختلف مناطق وأقاليم المجتمع الدولي. نعم، فإذا أخذنا النَّظَرِيَّةْ الليبرالية في العلاقات الدولية ووضعناها محل الاختبار على أرض واقع السياسة الغربية، نجد أن قيمها ومبادئها وتوجهاتها تخدم السياسات العليا للمجتمع الغربي الذي نشأت وتأصلت فيه. فإذا نظرنا لقيم ومبادئ وتوجهات النَّظَرِيَّةْ الليبرالية في السياسية الغربية نجد أنها تدعو للحريات الاجتماعية والسياسية، وتنادي للاقتصاد الرأسمالي القائم على حرية السوق والتكامل الاقتصادي بين الدول، وتدعو لاحترام ونُصرة حقوق الإنسان، وتنادي بنشر الديموقراطية وما يتصل بها من تأسيس للأحزاب بدون قيود فكرية أو أيديولوجية أو غيرها من قيود، وتطالب بوجود مؤسسات مجتمع مدني مستقلة تماماً عن الدولة، بالإضافة لقيم ومبادئ أخرى كثيرة منها حرية الفكر والتسامح وحرية الاعتقاد، وحرية التعبير والمساواة أمام القانون، وعدم تدخل الدولة في شؤون الفرد والمجتمع. فإذا أخذنا هذه القيم والمبادئ والتوجهات التي تدعو لها النَّظَرِيَّةْ الليبرالية في السياسة الغربية وأنزلناها على أرض الواقع نجد أنها تعمل على تعبئة الرأي العام الداخلي في المجتمعات الغربية حتى تؤمن بها وتدافع عنها حتى وإن كانت هناك ممارسات كبيرة تناقض تلك القيم والمبادئ والطروحات خاصة عندما يتعلق الأمر بالحريات السياسية والأمنية والاقتصادية، ونجد أنها تسعى لإقناع الرأي العام في المجتمعات الغربية بأهمية مساندة ودعم حكوماتهم الغربية الساعية لتصدير تلك القيم الليبرالية للمجتمعات والأمم الأخرى مهما كانت التكلفة المادية والبشرية والأخلاقية، ونجد أنها تسعى لتسويق تلك القيم التي تحملها النَّظَرِيَّةْ الليبرالية للمجتمعات الأخرى وتعمل على تحسينها وتصويرها حتى ترى فيها الشعوب والمجتمعات الأخرى الوسيلة الوحيدة لتحقيق أمنياتهم وطموحاتهم وأحلامهم من حريات سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها من قيم.

فإذا وضعنا هذه القيم والمبادئ والتوجهات الليبرالية محل الاختبار، نجد أنها تتناقض مع ما تدعو إليه. ففي الوقت الذي تسوق فيه النَّظَرِيَّةْ الليبرالية الغربية لحقوق الإنسان، نجد أن مبادئ حقوق الإنسان ليست إلا وسيلة لجذب التأييد الداخلي في المجتمعات الغربية للتدخل في شؤون الدول الأخرى، وكذلك ليست إلا أداة لكسب تأييد البسطاء والعملاء والمرتزقة في المجتمعات المستهدفة حتى يبرروا للتدخل الغربي في سياسات وشؤون بلدانهم ومجتمعاتهم. وكذلك نجد أن دعوات نشر الديموقراطية وما تبشر به النَّظَرِيَّةْ الليبرالية من أحزاب وانتخابات وحريات ومساواة وعدالة، وغيرها من قيم وتوجهات، ليست إلا وسيلة لكسب تأييد وتعاطف الرأي العام في المجتمعات الغربية، وفي الوقت نفسه تعد أداة تسويق جديدة لاستعمار واحتلال أراضي ومناطق الشعوب والمجتمعات الأخرى وسرقة خيراتها وثرواتها. نعم، هكذا هي النَّظَرِيَّةْ الليبرالية في السياسة الغربية حيث تعمل على تعبئة الرأي العام في المجتمعات الغربية حتى تتمكن من قيادتها لتأييد ودعم سياساتها الخارجية، وفي الوقت نفسه زرع الانهزامية والتبعية في نفوس وقلوب أبناء الشعوب الأخرى حتى يؤيدوا التدخل في شؤون بلدانهم بالوقوف مع المحتل الأجنبي. وما أمكن قوله تجاه قيم النَّظَرِيَّةْ الليبرالية في السياسة الغربية، يمكن قوله تجاه النَّظَرِيَّةْ الواقعية في السياسة الغربية التي زرعت في نفوس أبناء المجتمعات الغربية الخوف والذعر من الشعوب والمجتمعات الأخرى المختلفة عنهم ثقافياً وحضارياً حتى تمكنت بتسويقها لتلك القيم والتوجهات من كسب تعاطف الرأي العام الغربي، وحتى أصبح مؤيداً لسياساتهم التوسعية في مناطق كثيرة من العالم، وحتى أصبحت مجتمعاتهم قابلة لتقديم التضحيات المادية والبشرية مهما كانت تكلفتها كبيرة. وفي الوقت الذي تذهب به هاتان النظريتان، الليبرالية والواقعية، لخدمة السياسات الغربية تجاه الشعوب والمجتمعات الأخرى المختلفة ثقافياً وحضارياً، فإن هذا ينصرف بالضرورة لباقي نظريات العلاقات الدولية في السياسة الغربية.

وفي الختام من الأهمية القول إن على أبناء الثقافات والحضارات العربية والإسلامية التيقن بأن النَّظَرِيَّةْ في السياسة الغربية هدفها الأساس تأصيل الانهزامية والخوف والتبعية في نفوسهم وقلوبهم، وخدمة السياسات والأهداف والاستراتيجيات التوسعية الغربية على جميع المستويات وفي كل المجالات. نعم، إن النظريات في السياسة الغربية ليست إلا استراتيجيات صلبة هدفها تعبئة الرأي العام لكسب التأييد، ووسيلتها التسويق بالشعارات العاطفية والخطابات السياسية ووسائل الإعلام المتنوعة، والدبلوماسية أداتها لتجنيد العملاء والمرتزقة والخونة، والجيوش وسيلتها لاستعمار واحتلال مناطق وأقاليم الشعوب والمجتمعات وسرقة خيراتها وثرواتها. هكذا هي النَّظَرِيَّةْ في السياسة الغربية على حقيقتها وبما يشهد الواقع، وليست كما يُسوِق ويُبرِر لها الجُهلاء غير العارفين بأهدافها وغاياتها العميقة والباطنية.