العاصمة البنغالية "دكا" مدينة تعيش تحت ضغط سكاني كبير لكن كل يوم يولد جزء منها من تحت الركام. جربت شخصيًا وسيلة التنقل الأكثر انتشارًا في المدينة وتسمى "الركشة" وهي شبيهة بالـ"توكتوك" في القاهرة لكنها ليس لها "موتور" ويوجد النوع الذي بالموتور كذلك، لكن "الركشة" تمثل فنًا بصريًا زخرفيًا يلون شوارع المدينة ويعطيها قالبًا ثقافيًا فنيًا مبهجًا..

شدني الإحساس العميق بالمسؤولية الاجتماعية لدي المعماريين البنغاليين، ربما لكون المجتمع يتكون من طبقات اجتماعية بعضها يحتاج إلى الدعم والتطوير ووجد بعض المعماريين ضالتهم في هذه الحاجة للتعبير عن القيم والمبادئ التي كان يؤمن بها معماريو الحداثة في النصف الأول من القرن العشرين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم بمثابة "المصلحين الاجتماعيين، وكانوا يعتقدون إن بإمكانهم إصلاح المجتمع". ورغم أن هذه المبادئ تضاءلت في النصف الثاني من القرن العشرين إلا أنه لا يزال هناك البعض يرون أنهم يستطيعون المساهمة في تغيير المجتمع. أخذنا المعماري رفيق عزام إلى مشروع في قلب دكا التاريخية، ذلك الموقع يمثل نقطة التحول في المنطقة فقد كان متهالكا وتحيط به قنوات الصرف الصحي المكشوفة التي لا يزال بعضها موجودا على مقربة منه فقام المعماري بتطوير الموقع وتم تسميته "الحاضن" The guardian وهو يحتوي على مركز للشباب وملاعب ومناطق للتنزه كما تم إعادة تطوير المسجد المحاذي للموقع. المعماري وفريقه لا يزالون يشرفون على الموقع ويقومون بتشغيله على حساب مكتبهم الخاص. يشعر عزام بشكل عميق أنه مسؤول عن المجتمع المستفيد منه والأهم أنه يفخر أنه جزء من هذا العمل التنموي الاجتماعي المهم. يجب أن نشير أن المشروع يفترض أنه يكون مشروعا حكوميا لكن المعماري اعتمد كليا على معارفه ومكتبه للإنفاق على المشروع حتى اليوم.

ذكّرني هذا المشروع بمحاولات كثيرة في السابق لتطوير المناطق الفقيرة، كان يتوقع المعماريون أنها يمكن أن تحدث حراكا تنمويا، أحدها المحاولة التي قام بها المعماري المصري الراحل عبدالحليم إبراهيم في حديقة السيدة زينب وحصل المشروع على جائزة الأغا خان، لكن الحديقة للأسف مغلقة في الوقت الراهن ولم تحقق أهدافها وواجهت الكثير من التخريب من سكان المنطقة، وهذا لم يحدث حتى الآن في مشروع قلب دكا. لاحظت أن العديد من الزملاء البنغاليين يتحدثون عما يسمونه "الحكومة الموازية" على المستوى التنموي، ويقصدون بها مؤسسات المجتمعات المدني فقد أخذوني في زيارة لمعرض تجاري يدعى "آرونغ" Aarong يحتوي على معروضات للأسر المنتجة في كافة أنحاء بنغلاديش، وهذا المعرض ليس الوحيد بل هو منتشر في كافة أنحاء دكا وخارجها وجميع المعروضات من الملابس والمنسوجات والحرف محلية خالصة وصناعة يدوية. والأهم من ذلك أنها تتبع مؤسسة اسمها "براك" BRAC وهي مؤسسة مجتمع مدني تأسست بعد استقلال بنغلاديش في مطلع السبعينات وتحولت إلى مؤسسة تنموية عملاقة تعمل داخل الدولة وخارجها ولديها مؤسسات وبنوك وجامعة تحمل اسمها، وتعتبر من أرقى الجامعات الخاصة.

لحسن الحظ أن مقر جامعة "براك" الجديد افتتح في مطلع هذا العام وقد دعاني الصديق البروفسور فؤاد مالك (أحد مسؤولي الجامعة) وزوجته الدكتورة زينب (رئيسة قسم العمارة) لزيارة الجامعة والاطلاع على المقر الجديد ومشاهدة أعمال طلاب العمارة. يجب أن أقول إن مباني الجامعة مبهرة، رغم أنها صممت كي تكون حرما جامعيا رأسيا مكونا من ستة أبراج مترابطة. ما لفت انتباهي هو هذه المؤسسة التنموية الضخمة "براك" التي أسسها رجل واحد يدعى "فاضل حسن عابد" عام 1972م وكرس حياته من أجل هذه المؤسسة التي أصبحت أحد أكبر المؤسسات التنموية في هذه الدولة والعالم وتعمل على توفير ملايين الوظائف للشباب والشابات البنغاليين، حتى أن السكان المحليين يطلقون عليها "الحكومة الموازية" فهي تتكامل مع الحكومة الفعلية وتحاول أن تسد الثغرات في العملية التنموية وتعمل مع الناس مباشرة دون قيود بيروقراطية.

يمكن أن أقول إن الملاحظة الأهم التي خرجت بها من هذه الزيارة أن هناك مؤسسات تتعامل مع ظاهرة الندرة (خصوصا ندرة الموارد) بعقلية الغنى والثراء فتحول الندرة إلى فرصة أو مجموعة فرص، فلا مجال لخسارة الفرص، حتى لو كانت صغيرة، ويجب تحويلها إلى سلسلة تنموية تتطور باستمرار. ويبقى التنافس هو المحرك لعقلية الثراء، فالتنافس يخلق الفريق الأفضل والمُدرّب القادر على قيادة التنمية. أتحدث هنا عن قصص النجاح لا عن "المجتمع المثالي" أو "المؤسسة المثالية". ثمة اتفاق على أن النجاح يولد من رحم الظروف الصعبة حيث تظهر المثابرة والتعامل مع الفرص الضئيلة واستثمارها. لاحظت هذا الأمر، ربما بشكل عابر، في زيارتي لمعهد المعماريين البنغلادشيين، فالحضور الكثيف من قبل الأعضاء ورغبتهم في المشاركة والحوار جعلني أقارن ما شاهدت بروح المشاركة لدى معماريينا في المملكة، لأنه عندما تكون الفرص سهلة ومتوفرة تقل المشاركة الجماعية. قد أكون مخطئا في استنتاجي لكن أتحدث عن أكثر من ثلاثة عقود لم أجد فيها حماسا حقيقيا للعمل الجماعي الفكري والتنموي "غير الرسمي" في مجال العمارة.

لعلي أختم هذا المقال بتعليقي على العاصمة البنغالية "دكا" فهي مدينة تعيش تحت ضغط سكاني كبير لكن كل يوم يولد جزء منها من تحت الركام. جربت شخصيا وسيلة التنقل الأكثر انتشارا في المدينة وتسمى "الركشة" وهي شبيهة بالـ"توكتوك" في القاهرة لكنها ليس لها "موتور" ويوجد النوع الذي بالموتور كذلك، لكن "الركشة" تمثل فنا بصريا زخرفيا يلون شوارع المدينة ويعطيها قالبا ثقافيا فنيا مبهجا. دون شك هناك الكثير من الملاحظات حول هذه المدينة تثير لدي الكثير من التساؤلات خصوصا تلك التي ترتبط بقدرة البشر على التحمل والتكيف وقدرتهم في نفس الوقت العمل بجلد دون توقف لتغيير الواقع.. ربما هذا ما تعيشه بنغلاديش في الوقت الراهن فهي مؤهلة أن تكون من الدول التي ستشهد تحولا اقتصاديا كبيرا في العقود القادمة.