تحل ذكرى يوم التأسيس لتعبر عن مناسبة عظيمة تلامس وجدان السعوديين، باعثةً فيهم مشاعر الفخر والاعتزاز بما بناه أجدادهم من نماذج للبذل والعطاء والتضحية في سبيل الذود عن حمى الدولة السعودية التي وضع لبناتها الأولى الإمام محمد بن سعود عام 1727م، فيما شكلت الدرعية على مدى تاريخها نقطة انطلاق للدولة وعاصمة سياسية وثقافية واجتماعية، ومهد حضارة إنسانية عظيمة قادها الأئمة الأوائل من الأسرة السعودية المالكة.

ويعود تاريخ تأسيس الدرعية إلى منتصف القرن الميلادي الخامس عشر، حين انتقل الأمير مانع المريدي بأسرته من شرقي الجزيرة العربية إلى العارض في نجد بدعوة من ابن عمه ابن درع صاحب حجر والجزعة، ومنحهم موضعي "المليبيد" و"غصيبة" فاستقر فيهما مانع بأسرته، وأصبحتا مأهولتين بالسكان، لا سيما أنّ أرضهما خصبة للزراعة، وبنى فيها الدرعية على ضفاف وادي حنيفة لتشكّل حاضرة مأهولة بالسكان في قلب نجد، وتحولت إلى حاضنة للدولة السعودية الأولى.

وتم في عهده -رحمه الله- بناء سور للدرعية عام 1759م، وكان عبارة عن سورين متوازيين من الطين وبينهما حجارة لتدعيمه، ويبلغ طوله 13 كلم. كما ترأس الجيش وقاده في الحروب في مدة حكمه، وبعد اتساع رقعة الدولة السعودية وانشغاله بإدارة شؤونها عهد إلى ابنه عبدالعزيز بقيادة الجيش. وبعد وفاة الإمام محمد بن سعود في عام 1765م، خلفه ابنه عبدالعزيز بن محمد بن سعود في الحكم إلى أن اغتيل عام 1803م، ثم تولى بعده ابنه سعود إلى أن توفي عام 1814م أثناء مسيره لصد حملات عثمانية، وبويع ابنه عبدالله الذي واصل حروب والده. وبقيت الدرعية عاصمة للدولة إلى أن اختار الإمام تركي بن عبدالله -رحمه الله- الرياض مقرّاً للحكم عام 1824م.

في هذه المناسبة الوطنية الغالية يستذكر السعوديون تلك الصفحات المشرقة التي خطَّ الأجداد سطورها بمداد من نور، حتى تحوّلت الدرعية أيقونة وطنية برمزيتها وتأثيرها في مسار الأحداث التي مرَّت بمحطات مفصلية في تاريخ الدولة السعودية، وصولاً إلى توحيد المملكة العربية السعودية على يد المغفور له جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود -طيَّب الله ثراه-.

وفي ظل جهود القيادة للحفاظ على الإرث والثقافة التي يزخر بها المكان، تتولى هيئة تطوير بوابة الدرعية اليوم مسؤوليات عدة ضمن نطاق عملها الذي يمتدُّ مشروعه التطويري على مساحة 14 كيلومتراً مربعاً، ويشمل حي الطريف التاريخي الذي يعدّ مقرَّ الحكم في فترة الدولة السعودية ويحوي القصور والمساجد والمرافق العامة لأهالي الدرعية في ذلك الوقت، إضافةً إلى مطل البجيري وغيرهما من المواقع كوادي صفار ومناطق المشاة والحدائق والمتنزهات ومناطق التسوُّق والترفيه، وتعمل الهيئة -وبدعم غير محدود واهتمام ورعاية من قبل قيادتنا الرشيدة وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس مجلس إدارة الهيئة- على حفظ هذا الإرث التاريخي العظيم لأرض الملوك والأبطال وإبرازه على النحو الذي يسهم في تحويل الدرعية إلى وجهة عالمية أولى بالتوازي مع المشاريع التطويرية الأخرى التي توائم بين القيمة التاريخية للمكان ومتطلبات الحياة العصرية، بما يسهم في الارتقاء بجودة الحياة ويواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة "اليونسكو" قد أعلنت في عام 2010 حي الطريف التاريخي في الدرعية موقعا تراثيّاً عالميّاً، فيما اختارت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" في عام 2021 الدرعية عاصمة للثقافة العربية للعام 2030 لتصبح ثاني مدينة سعودية يجري اختيارها بعد الرياض عام 2000.