هيئة العقار تعمل، في هذه الأيام، على لائحة تخص التحليلات والاستشارات العقارية، وعند تفعيلها لن يتمكن أحد من تقديم التحليل أو الاستشارة العقارية إلا بعد ترخيصه، والمخالف سيعاقب، لأن هذا القطــــاع مؤثر جداً على حياة الناس وعلى الاقتصاد الوطني، وإعطاء التوقعات الخاطئة فيه مربك ولا يخدم الصالح العام، وفي المقابل سيكون هناك التزام بتوفير البيانات والمعلومات الصحيحة للمرخصين..

في الثامن من ديسمبر 2023، قامت هيئة العقار السعودية بإحالة 92 وسيطاً عقارياً للجهات المختصة، وذلك لتورطهم في جـــــرائم احتيال مالي، وثبوت تأجيرهم لشقق بعقـــــود غير نظامية من منصة إيجار، والأمر ليس مستغرباً ويحدث في كل مكان، ومن الأمثلة: ارتفاع حالات الاحتيال العقاري في أميركا لما نسبته 63 % في العام نفسه، والرقم الأخير يعتبر الأعلى على مستوى العالم، وكانت أهم أساليب المحتالين الأميركيين محصورة في الترغيب بالسعر الرخيص، وفيما يسمونه بضغط الفرصة الضائعة، بمعنى أنهم يقنعون الناس على دفع ضمان أو عربون حتى لا يضيع العقار عليهم، ومن ثم يختفون تماماً من المشهد بمجرد إتمام عملية التحويل، والذي يكون في الغالب لحسابات شخصية، والممارسة موجودة بكافة تفاصيلها في المملكة، ويظهر أنها طقس احتيالي وبائي، لا يتغير باختلاف الثقافات بين الدول.

إلا أن هيئة العقار المحلية تحاول ضبط هذه التجاوزات بمجموعة من الإجراءات، أبرزها: التأكد من ترخيص الوسيط العقاري أو ما يعرف في السابق بمكتب العقار، ومن حصوله على رخصة إعلان وتسويق للعقار الموجود لديه، ويكون هذا بواسطة خاصية الاستعلام على موقع الهيئة، والرجوع إلى مؤشر الهيئة الإيجاري للتأكد من معقولية السعر، وحتى مبلغ الضمان أو العربون أو الإيجار، لا يدفع إلا من خلال منصة إيجار، وباستخدام رقم سداد معتمد، والضمان أو العربون على وجه التحديد، حلت مشكلته بإيداعه في محفظة المستأجر على المنصة، وبحيث يتم استرجاعه بعد إتمام التعاقد من قبل المؤجر، ولا أدري لمــاذا الحــرص على معاينة العقار ميدانياً، والاطلاع على صك الملكية، ومقابلة مالكه ومن يقوم فيه بدور الوسيط والمسوق، والرجوع إلى اليدوية في زمن الرقمنة غير مفهوم، إلا إذا كانت هناك مسائل ما زالت خارج سيطرة هيئة العقار.

في عــــام 2021 قدرت قيمة الاستثمــــارات العقــــارية في العالم، بنحو 30 ترليوناً و300 مليار دولار، والأكيـــــد أنها ارتفعت في الأعــــوام التاليـة، وقد لاحظت أن وزارة الاستثمار مسؤولة عنها، ويتم ترخيص أعمال منصاتها بمعرفة هيئة السوق المالية، وليس هيئة العقار، ولم أفهم كيف تكون الهيئة مسؤولة عن كل ما يخص العقـــــار السعـــودي، وشؤونه موزعة على أكثر من وزارة، من بينها زيادة على وزارة الاستثمــار، وزارتي الشــــؤون البلدية والعدل، وشـــركة الكهرباء وغيرها، ما يفتح باباً واسعاً للاحتيال العقاري، والمعنى أن العقار يسجل بأكثر من طـــــريقـــة، فالبـــلديات تعرفه برقم القطعة والمخطط، والعــدل لا تأخذ إلا برقم الصك وتاريخه، والكهرباء لا تهتم إلا بالرقم التسلسي لعدادتها.

المفروض في اعتقادي، أن يتم توحيد الإجراء في الهيئة وحدها، مع الإسراع بتفعيل نظام التسجيل العيني للعقار، الذي تديره شركة السجل العقاري في صندوق الاستثمارات العامة، والنظام الجديد يعطي العقار رقماً خاصاً وموحداً كرقم الهوية الوطنية، ولا يؤثر في حجية وشرعية الوثائق السابقة عليه، وهو بمثابة سيرة ذاتية تسجل فيها كل التغييرات التي تطرأ عليه، مع العلم بأن هذا النظام قديم، ومعمول به في دول كثيرة، وقد بدأ تطبيقه لأول مرة في أستراليا منذ زمن طويل، وتأخر العمل به فــــي المملكة لا يحتاج لاجتهاد، فالمسألة واضحة، ومن الشــــواهد عليها، الشراء أو التأجير المتكرر للعقار ذاته في توقيت واحد، ما لم يكن العقار وهمياً من الأساس، أو أن حضوره ورقي لا أكثر، ولعلها كانت ممارسة معتادة في الماضي لغياب المحاسبة الجادة.

بخلاف أن هيئة العقار تعمل، في هذه الأيام، على لائحة تخص التحليلات والاستشارات العقارية، وعند تفعيلها لن يتمكن أحد من تقديم التحليل أو الاستشارة العقارية إلا بعد ترخيصه، والمخالف سيعاقب، لأن هذا القطــــاع مؤثر جداً على حياة الناس وعلى الاقتصاد الوطني، وإعطاء التوقعات الخاطئة فيه مربك ولا يخدم الصالح العام، وفي المقابل سيكون هناك التزام بتوفير البيانات والمعلومات الصحيحة للمرخصين.

حجم العقار في الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 5 %، وتقدر نسبته من مجموع الموارد غير النفطية بنحـو 12 %، والتقارير الدولية لعام 2023، تعتبر المملكة أكبر منطقة بناء في العالم حالياً، وبالتالي ويجوز القول إن الاستثمار العقاري فيها مطلوب بدرجة عالية لأن أرباحه مضمونة تماماً، وفي 2022 كان هناك 290 ألف صفقة عقـــارية ومليــــونان و300 صفقة إيجارية، وتجاوزت قيمة الإيجارات التجارية والسكنية 67 مليار ريال أو قرابة 18 مليــــار دولار، وتـم الترخيص لـ28 منصة عقارية، و40 ألف وسيط عقاري، الناشطون بينهم لا يتعدون 22 ألفاً، والبقية متكاسلة ومسترخية يحل محلها وافـــــدون أو مخالفون للأنظمة، وهؤلاء تحديداً يقفـــون خلف نسبة كبيرة من عمليات التحايل العقاري، والتي تبدو موثوقة في شكلها الخـــــارجي، وعلى هيئـــــة العقار القيـام بدور رقابي أكبر، لرصد المخالفين ومحاسبتهم، والمصادقة على جاهزية ونظامية المنصات المرتبطة بها، ومن سلامتها وأمانها من الناحية التقنية، وبالأخص ضد الاختراقات الإلكترونية ومشكلاتها الصعبة.