يأتي مهرجان الرياض للمسرح في حلة جديدة باذخة الحضور، والذي تم التحضير له منذ العام 2022 حتى خروجه للنور في احتفالية كبرى، لا يعلم البعض عن كمّ المشقات التي تحملها القائمون على هذا المهرجان لإخراجه بهذه الصورة التي تليق بالمسرح السعودي وبجمهوره العربي والمحلي والعالمي..

لم تكن هيئة المسرح والفنون الأدائية مجرد هيئة أتت بعد هيكلة وتنظيم، بل أتت لتبني كل البنى التحتية وهيكلة تامة وتنظيم، وتضع اللبنة الأولى لقيام مسرح عربي وإقليمي وعالمي بحسب رؤية 2030، بحسب ما يمكن أن يكون عليه المسرح وجميع الفنون الأدائية، وكما يتوجب أن يكون المسرح والفنون مؤسساً للأجيال المقبلة، وهو أمر ليس باليسير.

لقد كان المسرح السعودي حاضراً في الأداء والعروض على مستوى الفعاليات الدولية والإقليمية، وكان يحظى بالاستحسان وفي بعض الأحيان بالجوائز، ولكنه كان على أكتاف المحبين الولهين بالمسرح، فلم يكن عملاً مهملاً، ولكنه كان يفتقر للتنظيم والدعم والمؤازرة، كما يحتاج للقيادات الملهمة المؤسسة والمبدعة.

كان يقوم على إبداعات الهواة الذين يبذلون المال والجهد في حب أبي الفنون، وحب وطنهم، بأن يكون حاضراً في ظل تهميش متعمد استمر لما يزيد على ثلاثين عاماً قبل قيام وزارة الثقافة بقيادة وزيرها الملهم معالي سمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، الذي تحمل ذلك الدور العسير ليس في تأسيس هيئة المسرح والفنون الأدائية فحسب، وإنما في تأسيس كل الهيئات الثقافية ذات الصلة، فكانت كل هيئة تحتاج إلى هيكلة تنظيمية من رؤساء تنفيذيين ومجالس إدارات ولجان وغير ذلك كثير.

ولذا كانت التساؤلات في السنين الثلاث الماضية عن إنتاج عروض وفعاليات وعن وجود على الساحة المسرحية، ولم يكن أحد يعلم عما يجري خلف الأبواب المغلقة من عناء ودأب لتحقيق استراتيجيات معتمدة من سيدي صاحب السمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان -حفظه الله- وعلى الكل تنفيذها بلا كلل، حباً في هذا الوطن الحبيب ووضعاً للثقافة السعودية ليس على الخارطة المحلية والعربية وإنما على الخارطة العالمية والدولية، فكما ورد عن وزارة الثقافة بأنها تسعى في هذا الصدد إلى تحقيق "نمط حياة، من أجل نمو اقتصادي، من أجل تعزير مكانة المملكة"، فهذه الأنماط الثلاثة هي توجهات الوزارة الوليدة، "وتتماشى هذه الأهداف بدقة مع محاور الاستراتيجية لرؤية 2030 والمتمثلة في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح". فهي في هذا الإطار لا تسعى لضوء باهر لتحقيق شهرة زائفة كما في بعض البلدان المليئة بالشللية والمحسوبية وتعارض المصالح، وهذا أمر يعرفه الجميع، وإنما تسعى كما في توجهاتها المعلنة إلى تطوير الإمكانات وتعزيز الفرص والقدرات في القطاع الثقافي، من خلال بث كافة جوانب التراث الثقافي السعودي في أوصال الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين، ما يجعلهم ينعمون بحياة عامرة وصحية من خلال تلك الهيئات المتمثلة في ستة عشر قطاعاً فرعياً مستحدثاً (التراث، المتاحف، المواقع الثقافية والأثرية، المسرح والفنون الأدائية، المهرجانات والفعاليات الثقافية، الكتب والنشر، فنون العمارة والتصميم، التراث الطبيعي، الأفلام، الأزياء، اللغة والترجمة، فنون الطهي، الأدب، المكتبات، الفنون البصرية، الموسيقى)، جميعها ذات أولوية للتركيز والعمل عليها، ومن أجل تعزيز قدرتها على أن تقود وبفعالية المبادرات الرائدة في مختلف مجالات القطاع الثقافي.

ولذلك فالزائر للمملكة يرى تلك الإنجازات باذخة الجمال، وعلى سبيل المثال: تطوير التراث في الدرعية التي تحولت إلى مزارات سياحية اقتصادية جمالية بما يليق بمنطقة الدرعية وتاريخها العريق، أما عن التراث الأثري فقد أعلنت الهيئة عن اعتماد وتسجيل وتوثيق ستة وسبعين موقعاً أثرياً جديداً في خمسة عشر موقعاً في شمال المملكة، ثم تبوك ثلاثة عشر موقعاً، ومثلها في عسير، والمدينة المنورة ثلاثة مواقع، ومثلها في الباحة، وواحد في منطقة مكة المكرمة، كل ذلك سجل بشكل رسمي في السجل الوطني للآثار إلى جانب بناء بيانات مكانية للمواقع الأثرية المسجلة وأرشفة وثائق وصور مواقع التراث في المملكة. كما أن المتابع لفعاليات روائع الموسيقى السعودية يجدها تشارك وتعرض فعالياتها في المكسيك وفي قاعة (دو شاتليه) في باريس، وفي نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، وكذلك المشاركة في مهرجان الموسيقى العربية بجمهورية مصر العربية وغير ذلك كثير من إسهامات الهيئة في الفعاليات المحلية والعربية والعالمية، ما أبهر العالم! إذ يصل جمهور الفعالية إلى ثلاثة آلاف أو أكثر.

ثم يأتي مهرجان الرياض للمسرح في حلة جديدة باذخة الحضور، والذي تم التحضير له منذ العام 2022 حتى خروجه للنور في احتفالية كبرى، لا يعلم البعض عن كم المشقات التي تحملها القائمون على هذا المهرجان لإخراجه بهذه الصورة التي تليق بالمسرح السعودي وبجمهوره العربي والمحلي والعالمي أيضاً، والذي بدأ بتصفيات ثلاث؛ الأولى: باثنين وثمانين نصاً وبرؤية إخراجية، ثم اعتماد عشرين عرضاً مسرحياً تعرض في مدن المملكة بصفة مستمرة وبحضور جماهيري بعد دعمها، ثم تطوف لجنة المشاهدة والفرز بهذه المدن متحدّين الأجواء الممطرة والصواعق المخيفة في البعض والحر وتلقب المناخ في البعض الآخر، في رحلات جوية وبرية تزيد على الشهر بأيام؛ لانتقاء عشرة عروض من ضمن عشرين عرضاً مسرحياً جماهيرياً مكتظاً بالمشاهدين ومحبي المسرح في كل هذه المدن، ليأتي المهرجان بعروضه العشرة الصاعدة في مهرجان الرياض بحضور محلي وعربي ودولي أيضاً، مما أكسب هذا المهرجان دوراً مهماً على الساحة الخليجية والمحلية والدولية أيضاً، لأنه كان مهرجاناً فوق العادة بامتياز. لقد كانت فكرة هذا المهرجان بكل هيكليته مستلهمة من المسابقات المسرحية في أثينا قبل الميلاد، والتي طرحتُها على معالي الوزير آخر عام 2022 فوافق عليها على الفور وبحسب رؤية 2030، وما أشد سعادتي بهذه الموافقة! التي زادها جهد الهيئة بكل منسوبيها بقيادة رئيسها التنفيذي المخلص والمتحدي لكل الصعاب الأستاذ سلطان البازعي.

لم تكن سعادتنا بنجاح هذا المهرجان وتألقه بشفافية مخلصة فحسب، وإنما السعادة الحقة هي أن المسرح كان يلعب في كل المدن السعودية وبأيام مستمرة وسط جماهيره وبزحام كبير في كل هذه المدن، وهو النجاح الحقيقي؛ لما تبذله هيئة المسرح والفنون الأدائية برعاية صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان -حفظه الله-، ولا ننكر جهد معالي نائب الوزير الأستاذ حامد بن محمد الفايز فيما بذله من جهد ومتابعة جعلت هذا المهرجان لُحمة واحدة وكأن كل واحد فيه يلعب دور المسـؤول الأوحد.