عشق العربي للمطر عشق أزلي.. ومهما يحمل حقائبه ويسافر.. يحمل معه عشقه للمطر..

وإذا تذكر أيامه الجميلة قال:

"سُقياً لها من أيام"

وإذا خطر بباله أحبابه هتف:

"سقى الله ديارهم"

حتى القبور يدعو لها بالسُّقيا!..

والإنسان لا يدعو إلا بما يحب غاية الحب..

والعربي بلغ حبه للمطر.. منتهاه

حتى العرب الذين استوطنوا الأندلس، بل والذين ولدوا فيها، يحبون المطر ويحبون "طاريه" رغم أنهم في بلاد أمطارها كثيرة غزيرة..

ولكنه حبُّ شربوه مع حليب الأمهات، وزاد حبه بما قرأوا من تراث، وكان حبه امتداداً لحب نجد التي يحبونها على القرب.. والبعد.. حتى الذين لم يروها يوماً.. أحبوها.. وحنوا لها.. واعتبروها رمزاً للشعر والعشق، وللفروسية والاقدام..

ومن حب نجد المتغلغل في الأعماق، أحب العرب المطر حتى وهم في بلاد ضرَّها دوام هطول المطر.. فالمحبوبة نجد تشكو معظم سنواتها من جفاف.. ويشتاق سكانها للغيث.. ويدعون لأحبابهم بالسقيا.. وقد ورث المتغربون من العرب عنهم هذا الحب.. وذلك الشوق..

وإذا قرأنا أشهر وأجمل موشَّحة أندلسية، وهي التي قالها الوزير أبو عبدالله بن الخطيب، وجدنا فيها حُبَّ المطر، وحبَّ روائحه وسقياه، رغم أن الشاعر ولد وعاش في المغرب والأندلس حيث غزارة الأمطار..

يقول:

"جادك الغيث إذا الغيث هَمَا

يا زمان الوصل في الأندلس

لم يكن وصلُكَ إلا حُلماً

في الكرى أو خلءسة المختلس

إذ يقود الءدهءر أشءتات المنى

ينقل الخطءو على ما يرسم

زمراً بين فرادى وثنى

مثل ما يدعو الوفود الموسم

والحيا قد جلَّل الروض سنا

فثغور الزهر فيه تَبءسم

@ @ @

وروى النعمان عن ماء السما

كيف يروي مالك عن أنس

فكساه الحُسءن ثوباً مُعءلما

يزدهي منه بأبهى ملءبَس"

والنعمان هو ورد أحمر كبير له شقائق تتفتح وتفوح بالعبير.. يقولون:

"شقائق النعمان" في وصف الجمال.. وماء السما هو المطر بالطبع.. والبراعة هنا أن ملك العرب في الجاهلية اسمه (النعمان بن ماء السماء)..

غير أن (النعمان) الذي هو ذلك الورد المتشقق بحمرة وجمال يروي عن المطر رواية صدق، كما يروي الامام مالك عن الصحابي الجليل مالك بن أنس رضي الله عنه.

وراوية النعمان عن ماء السماء هي بفوح عطوره وتفتح شقائقه ونعومة شفائفه الوردية مع هطول المطر ومغازلته له..

شعرٌ أندلسي رقيق.. أنيق.. مُخَضَّل بالورد.. مخلَّط برائحة المسك.. مُخَضبٌ بالألوان.. في بلاد كست أرضها بسط الحرير الخضراء.. وتناثرت على بساطها الأخضر أنواع الورود والزهور بألوانها البيضاء.. والزرقاء.. والحمراء.. في منظر يبهج النفس.. ويوقظ الحس.. ويرءهف الذوق.. ويرفع المشاعر.. ويسافر بالأحلام.. ويحلو معه.. وفيه.. الحب والغرام.. وماء السماء يُسءقي بساطه الأخضر.. ويداعب زهوره الملونة.. ويفَتِّح أكمامها.. ويفَضِّح أسرارها.. ويجعلها تفوح بعطورها.. وتتمايل بأطرافها.. فتملك الطَّرءف.. وتخلب اللُّب.. وتُمءتع النفس.. وتَبءهج القلب.. وتبعث النشاط، وتجدِّد الأشواق للاحباب، وتثير الأحلام في الألباب، وتقدح قرائح الشعراء، وتفتح الأبواب للخيال، وتنهال بأجمل صور الجمال:

"أي شيء لامريء قد خلُصَا

فيكون الروضُ قد مُكِّنَ فيهء

تَنءهب الأزهار فيه الفرصَا

أمنَتء من مَكرَه ما تتّقيه

فإذا الماء يناجي والحصا

وخلا كُلُّ خليل بأخيهء"

هذا جوُّ خلا من العذَّال، متكامل الأحباب، كامل الشروط والأركان لتحقيق السعادة ونشر الجمال، في البشر والزهر والجمال، فالروض قد تمكَّن من تحقيق ذاته وإبراز مفاتنه وبدا يتنفَّس السعادة ويفيض بها على الناظرين، بل وعلى الوجود من أرض.. وفضاء.. فرائحته رائحة المسك.. ومنظره صورةٌ مثلى للجمال.. ونسيمه نسيمُ النعيم.. وقد خلا الجو للسعادة.. وحلا الوجود للكائنات.. فالازهار تنهب فرص الازدهار، والماء يناجي الحصا، ويصلصل فيه سعيداً وهو يجري، مغنياً ملكته النشوة والطرب، والحصا سعيدٌ بنجوى الماء، محبور من أغانيه، مبهوٌر من تسلل الماء بين أجزائه، وغسله لجميع أعضائه، وتجليته. بجانب الروض يتلألأ.. لم يعد الحصا.. حصا.. صار حُليَّاً وأحجاراً كريمة.. بجانب الرياض الخضراء الجميلة، وعناق الأزهار للأزهار، ولقاء العشاق بالعشاق..

"والحيا قد جَلّل الروضُ سَنَا

فثغور الزهر فيه تَبءسم"

المطر قد ألبس الروضَ لباساً من النور، والزهور تبتسم ثغورها لوقع المطر في حبور.. نه مَشءهدٌ خلاب.. ساحرٌ مسحور..

@ @ @

"والحيا قد جَلّل الروضُ سَنَا

فثغور الزهر فيه تَبءسم"

العرب يسمون المطر "الحَيَا" من الحياة.. لأنه واهب الحياة بإذن ربه {وجعلنا من الماء كل شيء حي}.. ومع الحيا لا تبتسم ثغور الزهور فقط.. بل ثغور العرب كلهم.. وتبتهج منهم الصدور.. وتلمع بالسعادة العيون.. ويبدو العربي مع المطر طرباً نشواناً يتملكه الحبور..

"تُبءصرُ الورد غيوراً بَرَما

يكتسي من غيظه ما يكتسي

وترى الآسَ لبيبا فيهما

يسرق الدمع "بأذنى فرس"

كل شيء مع المطر دبت فيه الحياة: الروض.. والزهر.. وشقائق النعمان.. حتى الحصا.. كل شيء مع الحَيَا.. حيا.. صار يشعر.. ويحس.. ويتنفس..

وبعض الورد يقبض أكمامه إذا نزل المطر.. كأنما هو يغار من الزهور فاتحة الأكمام.. باسمة الثغور.. ولكنّ الآس تنزل منه قطرات المطر كأنها دمع عاشق.. وهو يسرق هذا الدمع حُبَّاً وكرامة.. لأنه دمع المطر.. دمع الحياة..

ثم يصف ليالي الوصل في الأندلس

"وَطَرٌ ما فيه من عيب سوى

أنه مَرَّ كلَمءح البصر

في ليال كتمتء سرَّ الهوى

بالدُّجى لولا شموس الغُرَر"

أيام السرور قصَار!.. أيام كلها سعادة وحسنات عيبها الوحيد أنها مرت مسرعات كلمح البصر.. وتلك مشكلة البشر كلهم..

"حين لذَّ النوم منَّا أو كما

هَجَمَ الصُّبءح هجومَ الحَرَس

غارت الشهب بنا أو ربما

اثَّرت فينا عيون النرجس

انها لسعادةٌ خيالية غارت منها الشهب وحسدتهم عليها عيون النرجس!

@ @ @

وبعد أن يصف الشاعر المبدع أيام الوصل الجميلة، التي دعا لها بالسقيا.. يحن إلى ذلك العهد ويتمنى عودته:

"يا أهيلَ الحيِّ من وادي الغَضَا

وبقلبي مسكنٌ أنتمء به

ضاقَ عن وجدي بكم رَحءب الفضا

لا أبالي شَرءقه من غَربه

فأعيدوا عَهءدَ أنءس قد مضى

تنءقذوا عانيكم من كَرءبه

واتَّقوا الله وأحيوا مُغءرماً

يتلاشى نَفَساً في نَفَس

حَبَسَ القلب عليكم كرماً

أفترضَوءنَ خرابَ الحَبَس؟

@ @ @

وبقلبي منكُمُ مُقءتَرَبُ

بأحاديث المُنَى وهو بعيدٌ

قمراً أطلع منه المغرب

شَقءوةَ المُغرَى به وهو سعيدء

قد تساوى مُحءسن أو مذنبُ

في هواه بين وعد ووعيدء

ساحرُ المقءلة معسولُ اللُّمى

جالَ في النَّفءس مجال النَّفَس

سدَّد السهم فأصءمَى إذ رمى

بفؤادي - نبلَه - المُفءتَرَس

إن يكُنّ جار وخابَ الأملُ

وفؤاد الصبِّ بالشوق يذوبء

فهو للنفس حبيب أوَّل

ليس في الحب لمحبوب ذنوبء

أمُره مُعءتَمَلء مُمءتَثَلٌ

في ضلوع قد براها وقلوبء

حَكَمَ اللَّحظُ بها فاحتكما

لم يُراقبء في ضعاف الأنءفُس

ينصف المظلوم مَّمن ظلما

ويجازي البَرَّ منها والمسي

@ @ @

ما لقلبي كلما هبت صَبَا

عادهُ عيدٌ من الشوق جديدء

جلبَ الهمَّ له والوَصَبَا

فهو للاشجان في جُهءد جهيدء

لا عجٌ في أضءلُعي قد أضرَما

فهي نارٌ في هشيم اليَبَس

لم يَدَعء من مهجتي إلا الدَّما

كبقاء الصُّبءح بعدَ الفَلَس