منطقة الشرق الأوسط عموماً، ومنطقة البحر الأحمر خصوصاً، أمام مرحلة جديدة من مراحل إعادة تشكيل السياسة الإقليمية والدولية بحيث تتغير فيها موازين القوى بما يتناسب والرؤية لتعزيز الهيمنة القطبية الأحادية للولايات المتحدة، وبما يخدم حلفاءها الاستراتيجيين في المنطقة ويعزز نفوذهم..

استغلالاً وتوظيفاً لحالة الصراع المسلح القائم في قطاع غزة منذ الـ7 من أكتوبر 2023م، وجدت بعض المليشيات الإرهابية، والنظم السياسية المتطرفة، والدول الإقليمية، والقوى العالمية، الفرصة المناسبة لتوسع من نفوذها السياسي، وتواجدها الأمني والعسكري، في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وفي منطقة البحر الأحمر بشكل خاص. وبما أنه تم تقاسم النفوذ في أجزاء كبيرة من هذه المنطقة بين القوى الإقليمية والدولية في عقود وسنوات ماضية سواءً بفرض الأمر الواقع أو بالتفاهم بين هذه القوى الدولية ذات التوجهات الاستعمارية، فإن الأزمة الحالية القائمة في قطاع غزة تساهم أو ساهمت بشكل مباشر في تسريع عملية تقاسم النفوذ فيما تبقى من مناطق في هذه المنطقة. وبما أن هذه القوى الإقليمية والدولية ذات التوجهات الاستعمارية تعمل وفقاً لأهداف استراتيجية غايتها التأثير المباشر في السياسة الدولية، فإنها ستكون حريصة تماماً على التواجد في المناطق الأكثر أهمية وتأثيراً في حركة السياسة الدولية في المنطقة المستهدفة، منطقة الشرق الأوسط. وحيث أن هذه القوى الإقليمية والدولية ذات التوجهات الاستعمارية تعلم يقيناً ان منطقة البحر الأحمر تعتبر المنطقة الأكثر أهمية من المناطق المتبقية لفرض أو تقاسم النفوذ فيها، فإننا نجدها محل الاهتمام السياسي والأمني والعسكري من هذه القوى الإقليمية والدولية.

وهذا الاهتمام في منطقة البحر الأحمر تصاعد من مرحلة الاهتمام البسيطة المتعلقة بحرية الملاحة البحرية وسلامة الحركة عبر مياهه، إلى مستويات أخرى حيث الرغبة في التحكم بحركة الملاحة البحرية ومد النفوذ السياسي والأمني والعسكري عبر مياهه الاستراتيجية المفتوحة أمام حركة الملاحة البحرية الدولية.

وبما أن هذه القوى الإقليمية والدولية ذات التوجهات الاستعمارية تتحين الفرص لتنفذ استراتيجياتها التي تبنتها ووضعتها لمد نفوذها السياسي والأمني والعسكري، فإنها وجدت في الأزمة القائمة في قطاع غزة الفُرصة المُناسبة لتحقيق تطلعاتها الاستراتيجية في منطقة من أهم مناطق النفوذ الدولي في المنطقة والعالم. نعم، لقد جاءت الأزمة القائمة في قطاع غزة بمثابة الفرصة المُنتظرة للقوى الإقليمية والدولية ذات التوجهات الاستعمارية لمد نفوذها السياسي والأمني والعسكري في منطقة البحر الأحمر بشكل عام، وفي منطقة مضيق باب المندب بشكل خاص. وبما أن هناك تطلعات إقليمية ودولية لمد نفوذها السياسي والأمني والعسكري، فحتماً سيكون هناك منافسة كبيرة بين هذه القوى الإقليمية والدولية. وهذه المنافسة بين هذه القوى الإقليمية والدولية حتماً لن تكون سهلة، كما أنها حتماً لن تكون سلمية، وأيضاً لن تكون قصيرة المدى الزمني، كما أنه لن تتمكن قوة من هذه القوى الإقليمية والدولية من حسمها لصالحها على المدى القصير والمتوسط.

نعم، إن منطقة البحر الأحمر تشهد تصعيداً تدريجياً مُتماشياً مع التصعيد المسلح بقطاع غزة، وهذا التصعيد أو التنافس الإقليمي والدولي في هذه المنطقة الاستراتيجية مارسته دولاً إقليمية سواءً بشكل مُباشر كما تعلن ذلك صراحة إسرائيل، أو بشكل غير مباشر كما تفعل إيران عبر وكلاءها في اليمن مليشيا الحوثي، وكذلك مارسته قوى دولية وعالمية بشكل مباشر كما تفعل وتعلن ذلك صراحة الولايات المتحدة الامريكية، بالإضافة لغيرها من القوى الدولية التي تملك قواعد عسكرية في منطقة البحر الأحمر. وهذه المنافسة الدولية على النفوذ في منطقة البحر الأحمر شهدت تصعيداً متسارعاً خلال الشهرين الماضيين حتى وصل لمراحل متقدمة من التصعيد الذي قد يصل لمرحلة الصدام المُسلح. وهذا يتضح جلياً بالتصعيد السياسي بين إسرائيل ومليشيا الحوثي في اليمن، ومن ذلك ما جاء في الخبر الذي بثه موقع RT الروسي في 1 نوفمبر 2023م والذي أوضح الآتي: "هدد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هغاري، بشن هجمات على اليمن ردا على الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها حركة "أنصار الله" الحوثية مؤخرا على إسرائيل". وفي إيجازه الصحفي اليومي، أشار هغاري إلى الصواريخ التي أطلقها الحوثيون من اليمن، وقال: "نحن نعرف أيضا كيفية الهجوم، عندما نقرر ذلك. مستعدون في منطقة البحر الأحمر كما نستعد في أي منطقة، ونعرف أيضا كيفية الهجوم أينما نحتاج".

واستجابة لهذا الحراك السياسي المتصاعد بين إسرائيل وإيران عبر وكلائها، جاء الحراك الأميركي بما يتماشى ورغبتها في بسط نفوذها في منطقة البحر الأحمر وإن كان تحت ذرائع مختلفة، ومن ذلك ما جاء في الخبر الذي بثه موقع CNN في 7 ديسمبر 2023م، والذي جاء فيه الآتي: "تدرس الولايات المتحدة الأمريكية تعزيز حماية السفن التجارية التي تُبحر عبر طريق الشحن الحيوي في البحر الأحمر، وسط سلسلة من الهجمات الصاروخية الأخيرة التي شنها مسلحو الحوثي المدعومون من إيران والذين يعملون انطلاقا من اليمن، وفقا لمسؤولين عسكريين. وناقشت الولايات المتحدة سُبل تعزيز الأمن في المنطقة مع أعضاء القوات البحرية المشتركة، وهي قوة مهام بحرية متعددة الجنسيات مكلفة بحماية الشحن التجاري في البحر الأحمر. وقال المسؤولون الأمريكيون علناً إن المناقشات تركزت على إمكانية مرافقة السفن النشطة في البحر الأحمر والتي تمر عبر مضيق باب المندب إلى خليج عدن - القناة الضيقة التي تفصل بين اليمن والقرن الإفريقي. وعرض سبعة أعضاء من القوة البحرية -التي تتألف من 39 دولة تتناوب على القيادة- بالفعل المساعدة، حسبما قال نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة للحضور في المجلس الأطلسي في واشنطن.. وتعكس المناقشات حول تعزيز دور القوة البحرية قلقًا متزايدًا في المنطقة من سلوك الحوثيين المدعومين من إيران في القناة الحيوية، التي يمر من خلالها ملايين البراميل من النفط يوميًا".

فإذا أدركنا حجم ومدى هذا الحراك السياسي والأمني والعسكري في منطقة البحر الأحمر، فإننا ندرك حجم المخاطر التي يمكن أن تحدث جراء التصعيد والتنافس الكبير بين القوى الإقليمية والدولية ذات التوجهات الاستعمارية على النفوذ في منطقة البحر الأحمر. نعم، إن هذا التصعيد والتنافس الكبير بين القوى الإقليمية والدولية يهدد بشكل مباشر سلامة الملاحة البحرية على امتداد مياه البحر الأحمر مما يعني ارتفاع تكلفة التأمين على الناقلات البحرية العابرة، وخاصة الناقلات البحرية المُخصصة لنقل مصادر الطاقة المتجهة شمالاً للأسواق الأوروبية والأمريكية. وارتفاع تكلفة التأمين يعني بالضرورة تصاعداً كبيراً في أسعار السلع والخدمات في الدول المصدرة لمشتقات الطاقة بشكل خاص، وكذلك للدول المصدرة للصناعات والمواد التجارية والغذائية والحيوانية المتجهة عبر مياه البحر الأحمر شمالاً وجنوباً. وإذا كان ذلك التهديد يؤثر تأثيراً مباشر في اقتصاديات الدول المُنتجة والمُصدرة، فإن هذا التهديد والتنافس المتصاعد بين القوى الإقليمية والدولية ذات التوجهات الاستعمارية يؤثر تأثيراً سلبياً ومباشراً على التنمية والتطوير في دول منطقة البحر الأحمر من اقصى جنوبه إلى أقصى شماله وذلك بتوقف أو تأخر تنفيذ المشروعات التنموية والتطويرية في الشواطئ الممتدة على مياه البحر الأحمر. فإذا أضفنا إلى هذه التهديدات إمكانية حدوث صدام مسلح في منطقة البحر الأحمر، فإننا نتوقع مزيد من المخاطر على الأمن والسلم والاستقرار الإقليمي والدولي والتي قد تستمر لسنوات أو عقود قادمة مما يكلف دول منطقة البحر الأحمر الكثير من الجهد والوقت والمال.

وفي الختام من الأهمية القول بأن منطقة الشرق الأوسط عموماً، ومنطقة البحر الأحمر خصوصاً، أمام مرحلة جديدة من مراحل إعادة تشكيل السياسة الإقليمية والدولية بحيث تتغير فيها موازين القوى بما يتناسب والرؤية لتعزيز الهيمنة القطبية الأحادية للولايات المتحدة، وبما يخدم حلفاءها الاستراتيجيين في المنطقة ويعزز نفوذهم. نعم، إن الأزمات والصراعات الإقليمية يمكن افتعالها واستغلالها وتوظيفها بما يخدم سياسات واستراتيجيات القوى الإقليمية والدولية ذات التوجهات الاستعمارية لتواصل مد نفوذها وبسط هيمنتها واقصاء منافسيها الحاليين والمحتملين عن منطقة البحر الأحمر ذات الأهمية الاستراتيجية في السياسة والأمن الإقليمي والدولي والعالمي.