حب النفس وتدليلها ليس معناه الأنانية والحقد وتمني هزيمة من يتفوقون علينا، وإنما حب النفس هو ذلك الغوص الدائم في الأعماق للبحث عن الجمال وتلمس تفاصيله، فهو بطبيعة الحال محيط بنا في كل دقائق وتفاصيل حياتنا..

كنت في زيارة خاطفة في الأيام السابقة لجبل التوباد، والذي يبعد عن مدينة الرياض فوق 300 كم، وهو موطن قيس بن الملوح ومعشوقته ليلى، وشاهد التاريخ على الحب الأسطوري الذي خبأه الجبل في خاصرته.

وتساءلت حين رأيت الجدار الذي كان يقبّله قيس وهو حجر صلد لا حياة فيه كيف لشاعر عبقري أن يقبل الحجر، الذي تلّمسته فلم أجد فيه سوى اسمه المكتسب من قصته فقط، لكنها التفاصيل الكامنة في جوف المعنى الذي لامس قلباً وحساً حين تلاقيا تحته فكانت التفاصيل، وحينها ينشد قيس:

أمر على الديار ديار ليلى... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي... ولكن حب من سكن الديارا

كثيراً ما كتبنا عن القضايا والمشكلات، وكثيراً ما أثقلنا على قرائنا الكرام بهموم متداخلة سواء في الاجتماع أو السياسة أو حتى في الفن والإبداع وغير ذلك من المشكلات، حتى أصبحت أشعر أن قارئي الكريم يحتاج إلى نسمة من روح البهجة والتأمل، في وقت امتلأت فيه قنواتنا وإعلامنا بأخبار الحروب والمؤامرات والغلاء والرخص وغير ذلك، مما يجعلنا نبتعد عن ذاتنا القابعة في صدرنا حتى نسيناها في زحمة الحياة، فتطحن رحاها قلوب البشر التي كانت عامرة بالحب والخير والجمال، ثم نتباكى على الزمن الجميل ونحن لا نعلم أن كل جميل مازال يسكننا ويحيط بنا، لكننا لا نبحث عنه في خلوة مع النفس، لنلمح جمالاً وهاجاً يرتقب منا الالتفات إليه والانفلات معه في تلك الفضاءات المترقبة المترفة بالتفاصيل.

ولذا سنعرج بكم إلى ذاك الجميل علّنا نتلمسه سوياً لأننا اشتقنا له على الرغم من أن مكانه في صدورنا وعقولنا وأبصارنا وأسماعنا.

للحب تعاريج متدرجة وله مفاهيم ومقادير وله بريق أيضاً يأخذ النفس إلى فضاءات ملونة لا يُسمح بدخلوها إلا للمحبين وعشاق الجمال.

والحب بما له من تعريفات حيرت جل الفلاسفة، يحتاج إلى موطن وحاضنة، وأهم مواطنه الحاضنة الدفيئة أن يحب الإنسان منا نفسه باعتبار أن "فاقد الشيء لا يعطيه"، ولذا قال الفيلسوف اليوناني منذ آلاف السنين قبل الميلاد (ابدأ بنفسك)، فحب النفس وتدليلها ليس معناه الأنانية والحقد وتمني هزيمة من يتفوقون علينا، وإنما حب النفس هو ذلك الغوص الدائم في الأعماق للبحث عن الجمال وتلمس تفاصيله، فهو بطبيعة الحال محيط بنا في كل دقائق وتفاصيل حياتنا لكننا مع عورات هذا الزمان تغلفت مشاعرنا بغلالة (الران) الذي يصبغ كل يوم قلوبنا ببقعة تلو الأخرى فتفقد حواسنا وظيفتها التي خلقها الله سبحانه وتعالى من أجلها وهي تلمس الجمال في كل شيء والحس به وتفحص تفاصيله التي قد تمر أمام أعيننا مرور القاطرة!

قد يتساءل القارئ ما الذي دعاني لكتابة هذا المقال وفي هذه الظروف المزدحمة بالآمال والطموحات والقضايا بمختلف صنوفها؟ لكنني أعاجله بالإجابة: إنه استلال لحظة دقيقة مع حفيدتي التي لم تتعدَّ عامها الخامس، وكانت تجلس معي في غرفة الفندق، وهي مولعة شديدة التعلق بي، حينها طلبت مني أن أنزلها للحديقة لتهدي لي زهرة (بربل) -بلغتها هي أي ذات اللون البنفسجي- التي أبصرتها قبل أن نصعد للغرفة، وتمنت أن تهديها لي؛ فأخذتها ونزلنا لكي أرى تلك الزهرة التي فتنتها ولم أبصرها كغيري ممن تزاحم رؤوسهم بصخب الحياة.

وحينها وجدتها تمد يدها إلى زهرة صغيرة لا يتعدى حجمها عقلة أصبعها وحيدة بين الزهور بلونها الـ(بربل) على حد تعبيرها. وفي لحظة عميقة من الجمال وتأمل تلك الزهرة بتفاصيلها ورفرفة وريقاتها وكأنها تسبح لخالقها في سكون تام بلونها البنفسجي الذي لا يستطيع أي رسام عالمي إتقانه! إنه الجمال وإنه الإحساس به وتفحصه -في خلوة مع النفس التي أثقلنا عليها- وهي بلا شك تطالبنا بذلك، فما إهمالنا لها إلا الإحساس بقسوة الحياة لأنها تتوق للجمال الذي دفن في ملامحنا.

وتذكرت حينها مروري طفلة مع والدتي -رحمة الله عليها- في جبال أبها بعد يوم مطير أشرقت الشمس معه وكأنها تدلك مسام جلدنا، فوجدنا تلك الصخرة المقعرة المليئة بماء المطر وكأنها صفحة مرآة تقاوم هزة نسيم خفيفة، أما ما يلفت النظر فهو خروج الزهرة من قلب الصخرة تنتابها رعشة رفرافة تطمح أن تعانق السماء.

أليس من حق أنفسنا علينا أن نتأمل في التفاصيل الدقيقة المليئة بالجمال، حينها أعدك أن نفسك التي هي تطالبك وأنت تتجاهلها ستركض في مساحات من الهدأة والبهجة.

ما الذي حدث لنا من جراء هذا الطفح المتسارع من حولنا؟! فلم نعد نسمع أو نرى سوى ما هو "سئيل" وممل ومحطم للذات، فعلى الرغم من حق أعمالنا وانشغالاتنا علينا والتطرف في تحقيقها بإخلاص أملاً في اللحاق بركب الزمن، إلا أن (لنفسك عليك حقاً)، نحبها ونجلس معها ونتأمل من أجلها لأنها إذا ما سمت سما كل شيء، حينها ينشطر الحب انشطاراً ذرياً يغمر كل شيء حولنا قريب أو بعيد، بل وحب مفردات الحياة التي ما خلقها الله جل وعلا إلا من أجلنا نحن ومن أجل التأمل والتفكُّر فيها وفي خلقه وفي جماليات التفاصيل التي تنتقل بدورها من الجزئيات إلى الكليات، وإلا فلا نستنكر كل هذا القبح الذي يملأ الدنيا من قتل وحرب وملاسنات واحتجاجات، فنعزي أنفسنا أولاً لأننا قتلنا في نفوسنا وفي نفوس أبنائنا ذلك الحس المرهف بالجمال الدقيق المكتنف كل تفصيلة في حياتنا، ولأننا إذا ما تلمسناه سنجده يكتنف جوارحنا التي تكلست!

شكرت حفيدتي التي أيقظت فيَّ فينة عابرة، وعاهدت نفسي على إيقاظها كلما خبت، فكلما تلمس البشر مواطن الحب والجمال وبإخلاص اختفت تلك الحروب والشرور والإقصاءات وكل ما نتذمر منه في حياتنا، فالحياة كما هي مليئة بالشكوى والفقد، إلا أنها مليئة بالجمال الباعث على الحب، وحينها ستجبرك نفسك أن تحب دون أن تكره، تسامح دون أن تعاتب، لأنك تقبل على تفاصيل الحياة بروح العشاق والمحبين، فالحب من حولنا والجمال يكتنف تفاصيلنا إلا أننا لا نبصره، وتلك هي الأزمة!