إن الوقوع في فخ الوهم المعرفي هو ذلك الخلل في الإيقاع الزماني المختلف بين الإيقاع الداخلي للذات وبين الإيقاع الخارجي للمحيط، هذا الخلل هو ما يعمل على خلخلة المحيطين «الداخلي والخارجي» مما يشكل الملل والضجر وعدم احتمال ما يسمى في علم النفس مواصلة الاتجاه..

قد كنا ولا زلنا نتناول هذه الكلمة (المعرفة) بسلاسة وبيسر، يفوق سرعة جريان القلم على الورقة! وبرغم ثقل معناها وتعسر دقة تفسير مصطلحها لانزال نتداول لفظها بل نستخدم وظيفتها قسراً وعسراً، بكل أريحية واستهتار! ولا نزال نتعاطاها - ككلمة وليس كمعنى - طول الوقت بلا تحية وبلا وقار!

وقارها ذاك كونها الكلمة الأم التي طُرحت في أول نشأة للإنسان قبل هبوطه على الأرض، فكانت علماً مقروناً بالمعرفة، حينما علم الله - عز وجل - آدم الأسماء كلها واختصه بذلك دون غيره، فأصبحت في مكنونها الدقيق الواسع كلمة بوزن الخلق نفسه، بل قد يتعدى الأمر إلى وظيفة خلقه كإنسان (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) صدق الله العظيم.

وبهذا القدر من أهمية المعرفة ذاتها جعل العبادة مقرونة بها - حينما علم آدم الأسماء كلها ثم اختصه بها - فجعله خليفة في الأرض، فكان هذا الترتيب الفعلي لأهمية العلم المعرفي، وهو (العلم، العبادة، ثم القيادة والريادة) ليجعلها هي دون غيرها هي القادرة على القيادة وإعمار هذه الأرض!

وكثير من التخريجات التي لا تنتهي قد تأخذنا إلى بحر شاسع من التأمل والتأويل في المعنى والاصطلاح، لكن ما يهمنا نحن هنا هو أنه يجب أن نعلم أن لها في وقتنا الراهن وهماً مفخخاً، تنزلق فيه أقدام المتسرعين واللاهثين نحو اللذة والشهرة وشهوة التسلق على غير هدى! قبل أن يختبرون مزالق الصعود فيصبح الفخ جاهزاً ملتقطاً لأقدام الكثير من لم يتريثوا ليختبروا ذواتهم قبل تحريك ألسنتهم وأقلامهم بتساؤلات ملحة: هل نعلم؟ هل نعرف؟ هل نلم بكل جوانب نعلم وما نعرف؟

هذه الأسئلة جميعها مشروعة بل واجبة، لأنها في ذاتها تقي كلاً منا من الخطو على أرض لزجة ملساء أعدت قصداً وعنوة لمن لم يسألوا أنفسهم هذه الأسئلة ثم يكتشفوا جوانب القصور وأنا أول المقصرين بكل تأكيد، ولذلك يعتريني الخوف عندما أحصل على معلومة كدت أظن أنني أعرفها من قبل ثم تتوالى المخاوف بتوالي المعارف في حلقة مفرغة واسعة بوسع الكون نفسه، ذلك كلما تعددت الأسئلة وكلما حصلنا على أجوبة!

نحن الآن نحيا عصر المعارف واتساع آفاقها بقدر ما تتضاءل أمامنا أساليب ما يؤهل سابقينا لها، فكانوا يجوبون الأصقاع ويتحملون مشقات الأسفار وعذاباته في سبيلها بل يتعدى الأمر إلى انقضاء الأجل في سبيلها في جل الأحايين، ولذلك سادت العلوم وتقدمت الشعوب وازدهر التراتب الإنساني والثقافي والحضاري بتقدم حقبها ورقي شعوبها، فقد كان يتم تقييم الفرد حينها بحسب المعرفة التي يمتلكها، وبمعيار علم الاجتماع (رأس المال الثقافي)، Cultural Capital، كانت قيمة المعرفة عالية جداً باهظة التكاليف صعبة المنال.

وحينما أصبحت الآن سهلة وفي متناول الأذهان والقلوب، صارت سلعة ثقيلة وضيفاً "سئيلاً" نتخلص منه بالاختزالات والملخصات والاعتماد على التلقين عبر الندوات وقصاصات الورق، أو الكتب المقروءة والمروية عبر (الفيديوهات الإلكترونية) أو مساطب المقاهي؛ وما أصعب أن يجد الضيف نفسه ثقيلاً بثقل صدور الناس! فذهبت المعرفة وبقي وهم الفخ!

فهل يجوز لنا بعد ذلك أن نسأل أنفسنا عما هو وهم الفخ المعرفي الذي يقض مضاجع الباحثين والعلماء؟! لتطالعنا الإجابة أنه: باختصار أن تعتقد أننا نعلم الكثير حول موضوع ما، بينما في الحقيقة أننا لا نعرف سوى القليل جداً، وينتج هذا من وهم العمق التفسيري The Illusion of Explanatory Depth. وهذا بحسب ما وصفة العلماء والباحثون في محاولة منهم لاكتشاف مواطن هذا الوهم!

ونعتقد أن هذا أقرب تعريف لهذه الظاهرة التي تجتاح منصاتنا ومنابرنا العلمية والثقافية والتي أصبح فيها يختلط الحابل بالنابل لمجرد قراءة نصف كتاب أو الحصول على درجة أو دعوة من صديق لحضور ملتقى لكن كما قال لي أحد الأصدقاء: إن المنصات فضّاحة أجارنا الله وإياكم. ولكي لا نقع في فخ وهم المعرفة يقول البروفيسور د/ فضل الربيعي أستاذ علم الاجتماع: إن العامل الأول يتمثل في الذات غير محاولة تحدي الذات التي تتمثل في قدراتنا العقلية وقناعتنا عبر إخضاع المعلومة والظاهرة للتفسير المنطقي المجرد في هذه الحالة التي تعد بمثابة اختبار قدرتها على الصمود، القيام بدور المحامي بين الذات الاجتماعية والأنا بحسب التفاعلية الرمزية.

العامل الثاني: وهو أن نلجأ للآخرين ممن يمتلكون المعرفة ومن الموثوقين من لديهم القدرة والخبرة المطلوبة ليكونوا قادرين على توجيهنا والإضاءة على النقاط العمياء بالنسبة لنا، ذات الأشكال المعرفية.

لكن لنا رأي آخر في هذا القول، حيث نعتقد أن الوقوع في فخ الوهم المعرفي هو ذلك الخلل في الإيقاع الزماني المختلف بين الإيقاع الداخلي للذات وبين الإيقاع الخارجي للمحيط، هذا الخلل هو ما يعمل على خلخلة المحيطين (الداخلي والخارجي) مما يشكل الملل والضجر وعدم احتمال ما يسمى في علم النفس مواصلة الاتجاه، هذا الخلل غير (الهارموني المتسق) بين المحيط الداخلي والخارجي للفرد هو ما أكسبه هذا التفاني في اختزال الزمن والهروب من الصبر على تحصيل المعرفة، بدا لنا ذلك الإنسان المتشظي الذي شوهه هذا الإيقاع المتبتر بين زمنين هو لا يعلم أنه تم تشويهه وهذا هو فخ الوهم المعرفي. فظهرت طائفة من البشر يعتقدون أنهم يعلمون، وهم في حقيقة الأمر لا يعلمون، لكن الناس يعلمون أنهم لا يعلمون، وتلك مشكلة تطورت حتى أصبحت ظاهرة مقيتة في هذه الأيام!

ولذلك قال الشاعر صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل في قصيدته بعنوان يا الذاهبة:

يا المعرفة دونك غديت ... والحد من فوقه حدود

والمدعين المعرفة ... أجهل من اللي طالبة

أبعد من أيامي مشيت ... والحمل بالكاهل يزود

رجل توردني خطر ... درب العباد التايبة.