لم يكن غريباً، تدافع الشركات الأميركية لمقابلة الرئيس الصيني شي جين بينج، الذي يزور الولايات المتحدة لأول مرة منذ عام 2017، فقد تجاهلت هذه الشركات التوترات التجارية الراهنة، وحرصوا على الاستماع عن قرب إلى الزعيم الصيني خلال عشاء عمل حضره نخبة منتقاة من كبار رجال الأعمال في مقدمتهم، ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة "مايكروسوفت"، وإيلون ماسك مؤسس شركة "تسلا"، وجين فريزر الرئيسة التنفيذية لبنك "سيتي جروب"، ودارين وودز الرئيس التنفيذي لشركة "إكسون موبيل"، وقد أدى تدافع الشركات للالتقاء بالرئيس الصيني، إلى قيام المنظمين، وهما اللجنة الوطنية للعلاقات الأميركية الصينية، ومجلس الأعمال الأميركي الصيني، إلى تسعير تذكرة العشاء والمقابلة عند 2000 دولار للفرد الواحد، مع إمكانية شراء الشركات لثمانية مقاعد على إحدى الطاولات، ومقعد آخر على طاولة الرئيس الصيني مقابل 40 ألف دولار.

يشير تدفق رجال الأعمال الأميركيين للقاء الرئيس شي على أنه يمثل نقطة جذب كبيرة للشركات الأميركية، ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه الزيارة ستفعل الكثير لتخفيف شكوك رجال الأعمال والمستثمرين تجاه الصين التي يتراجع فيها النمو، وتواجه فيها الشركات الأجنبية لوائح تنظيمية مشددة، ولهذا، فإن الهدف الحقيقي من لقاء الزعيم الصيني بقطاع الأعمال الأمريكي هو إرسال إشارة مفادها أن الصين ستظل مكانًا جذابًا لممارسة الأعمال التجارية، وعلى ما يبدو، فإن بكين تريد إيصال تلك الرسالة لأسباب تكتيكية، لأنها تدرك صعوبة إعادة ضبط العلاقة مع الأميركيين في الوقت الحالي، والواقع أن الرياح المعاكسة تهب من الجانبين، ففيما تشعر الشركات في الصين بالقلق إزاء قانون مكافحة التجسس الذي يتيح القبض على المسؤولين التنفيذيين والباحثين في الصناعات الحساسة، تشدد واشنطن القيود على بيع التكنولوجيا المتقدمة للصين، بسبب مخاوف متعلقة بالأمن القومي.

بالرغم من أن معظم الشركات الأميركية يعتبرون الصين سوقاً أساسياً ومربحة جداً، إلا أن بعض الشركات بدأت في خفض استثماراتها بالصين، أو نقل مصانعها إلى دول أخرى، وهناك بعض الشركات الأميركية التي غادرت بالفعل، مثل شركة إدارة الأصول العملاقة "فانجارد" التي تدير أصولاً تزيد قيمتها على 7 تريليونات دولار، لهذا، يرى المسؤولون الصينيون في اجتماعات سان فرانسيسكو فرصة لرأب الصدع ومحاولة تغيير المسار الأميركي بشأن الضوابط التكنولوجية القاسية، لكن، من غير المرجح أن تغير الولايات المتحدة موقفها الصارم، في ذات الوقت تريد الصين إنعاش الاستثمارات الأجنبية المتعسرة، بعدما سجلت أول عجز في الاستثمار الأجنبي المباشر منذ ربع قرن، وذلك بقيمة 11.8 مليار دولار، خلال الربع الثالث، ويشير هذا الأمر إلى أن الشركات الأجنبية لا تعيد استثمار أرباحها في الصين، بل تقوم بنقل أموالها إلى خارج البلاد، وهذه ليست علامة جيدة لآفاق النمو الصيني، ومن الواضح أن الرئيس شي أراد تشجيع الشركات الأميركية على إعادة الاستثمار إلى بلاده.

لفترة طويلة، كانت بكين أكبر شريك تجاري لواشنطن، إلا أن الصين تراجعت للمركز الثالث، ففي الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، تفوقت المكسيك وكندا كأكبر شركاء تجاريين لأميركا، وشكلتا 15.7 % و15.3 % على التوالي من إجمالي التجارة الأمريكية، مقارنة بـ 11.1 % للصين، ويجب ألا ننسى حقيقة أن الرسوم الجمركية على حوالي 370 مليار دولار من الواردات الصينية التي فرضتها إدارة ترامب ظلت باقية كما هي في عهد بايدن، وقد أدت القيود الأميركية على الاستثمار في الصين إلى تراجع حاد في إبرام الصفقات التجارية بين الدولتين، وهذه الاستثمارات دخلت الآن مرحلة الجفاف، ففي الربع الثالث من العام الجاري، بلغ إجمالي صفقات رأس المال الاستثماري في الصين، والتي شارك فيها مستثمرون أميركيون نحو 300 مليون دولار، مقارنة بـ2 مليار دولار في ذات الفترة من عام 2022، وتوضح هذه الأرقام بجلاء حجم المعاناة الصينية في استقطاب الاستثمارات الأميركية.