كما كان متوقعاً، أبقى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الأربعاء الماضي أسعار الفائدة ثابتة دون تغيير، ليترك الباب مفتوحًا قليلاً أمام فرص رفع أسعار الفائدة مرة أخرى في المستقبل إذا لم يستمر تباطؤ التضخم، والذي تبلغ معدلاته الحالية 3.7 %، وجاء القرار بالإجماع في نطاق 5.5 %، وعلى الرغم من توسع الاقتصاد الأميركي في الربع الثالث بوتيرة قوية بلغت 4.9 %، إلا أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول يرى أن سلسلة زيادات أسعار الفائدة منذ عام 2022 تضع ضغوطًا هبوطية على التضخم والنمو الاقتصادي، وباعتقادي، فإن قرار تثبيت الفائدة علامة على أن مسؤولي الفيدرالي يشعرون بالقلق المتزايد من الإفراط في تشديد السياسة النقدية دون داعٍ، مما قد يؤدي في النهاية إلى الركود الاقتصادي.

يتصرف الفيدرالي في الوقت الحالي بحذر لأكثر من سبب، ويحاول إحداث أقل قدر ممكن من الضرر للاقتصاد، وهذه هي عين الإبرة التي يحاول أن يخيطها، فالمعادلة هي أن يستطيع خفض الطلب الاستهلاكي والطلب الكلي، شريطة ألا يتسبب في ركود يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة بشكل مؤلم، وقد ظهر من تصريحات عدد من مسؤولي الفيدرالي أن التركيز على رفع أسعار الفائدة كان في غير محله، وإذا كان الاقتصاديون منقسمين الآن على التوقعات المستقبلية بالنسبة للاقتصاد وسياسة سعر الفائدة، إلا أنهم متفقون على ارتفاع مستويات عدم اليقين، وهذه الحالة ستكون حساسة بشدة في البيت الأبيض، الذي يراقب المؤشرات الاقتصادية عن كثب قبل موقعة الانتخابات الرئاسية نهاية العام المقبل.

والواقع، أن الاحتياطي الفيدرالي يجب أن يتحرك حسب الحاجة، بغض النظر عن السياسة والأحزاب، ولا شك أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول يريد البقاء بعيدًا عن الأنظار خلال المنافسة الرئاسية المحتملة بين بايدن وترمب، فتركيز الرأي العام في الولايات المتحدة يوشك أن يتحول منذ هذه اللحظة إلى التغطية الشاملة للانتخابات الرئاسية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، بما في ذلك الانتخابات التمهيدية، والمناظرات، ورصد طرق الإنفاق المالي للحملات الانتخابية، ونتائج استطلاعات الرأي، إلا أن ما يهم في انتخابات 2024 هو مدى نجاح الفيدرالي في تهدئة التضخم دون دفع الاقتصاد للركود، ويفترض أن يكون هدف الفيدرالي الرئيسي هو خفض التضخم إلى 2 %، وليس مساعدة حزب سياسي واحد، وإذا حدث ركود في الأشهر الـ12 المقبلة، فمن المرجح أن يحسم ذلك مصير بايدن كرئيس لولاية واحدة.

ليس منطقياً، أن يطلب الرئيس الأميركي مساعدة البنك المركزي، إلا أن التاريخ يشير إلى أن العديد من رؤساء الفيدرالي، ورؤساء الولايات المتحدة الذين سعوا إلى إعادة انتخابهم، قد اختلفوا حول هذه المسألة، ففي مذكراته، يقول رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق بول فولكر، إن جيمس بيكر كبير موظفي الرئيس رونالد ريجان، حذره من رفع أسعار الفائدة في الفترة التي سبقت إعادة انتخاب ريجان في عام 1984، وبالفعل، لم يرفع فولكر أسعار الفائدة خلال الحملة الانتخابية، لكنه ذكر أيضاً أن طلب بيكر ليس هو السبب، بينما ألقى الرئيس السابق جورج بوش الأب باللوم علناً على رئيس الاحتياطي الفيدرالي ألان جرينسبان في محاولته الفاشلة لإعادة انتخابه عام 1992، عندما حث بوش، جرينسبان على خفض أسعار الفائدة بسرعة أكبر أثناء فترة الركود خلال مطلع التسعينات الميلادية، وهو ما لم يستجب له جرينسبان، وفي النهاية، فاز بيل كلينتون بالرئاسة تحت شعار "إنه الاقتصاد يا غبي".