شهد هذا الأسبوع حدثاً استثنائياً في الأسواق العالمية، حينما أعلن رسمياً الأربعاء، عن إتمام أكبر صفقة استحواذ هذا العام، حيث اشترت شركة إكسون موبيل، شركة بايونير إحدى أكبر شركات التنقيب والإنتاج في منطقة حوض بيرميان غرب تكساس، وذلك بقيمة 60 مليار دولار، في دلالة واضحة على أن سياسة الطاقة الأميركية المستقبلية لن تتحرك بقوة ضد استثمارات الوقود الأحفوري، فضلاً عن أن الصفقة تعد بمثابة إنقاذ لعام فقير في الإقبال على إبرام الصفقات الكبرى، وبالرغم من أن الصفقات بهذا الحجم تظل نادرة نسبيًا، إلا أن الأمر يعد منطقياً بالنسبة لشركة بقيمة وحجم "إكسون موبايل"، فقد تضاعف سعر أسهمها ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الأخيرة، طاوية بذلك خسارة فادحة بقيمة 22.4 مليار دولار تكبدتها خلال عام 2020.

تبدو أهمية الصفقة الراهنة في قدرتها على إزالة الأجواء الباهتة المهيمنة على السوق، حيث أحجمت الشركات خلال عام 2023 عن إبرام صفقات كبرى، بسبب التهديد المستمر من الاحتياطي الفيدرالي برفع الفائدة، بالإضافة إلى التباطؤ التقليدي في السوق خلال فصل الصيف، وعموماً، فقد بلغ إجمالي صفقات الاندماج والاستحواذ الأمريكية خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام الجاري حوالي 1.12 تريليون دولار، وهذا يعد انخفاضاً بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي، والتي اجتذبت 1.65 تريليون دولار، بينما استقطبت هذه النوعية من أموالاً بـ 2.19 تريليون دولار خلال عام 2022 بأكمله، وبالإضافة لذلك، فإن هذا الإعلان يعني أن "إكسون موبيل" ستعمق اعتمادها على الوقود الأحفوري بالرغم من تزايد القلق بين صناع السياسات العالميين بشأن التغير المناخي، وتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، والواقع، أن "إكسون موبيل" تتمتع بأموال ضخمة، حيث سجلت العام الماضي أرباحاً بلغت 56 مليار دولار، وهذه يمكن أن تستثمرها في حقول "بايونير" غير المستغلة، وهذا هو الدافع الأساسي للصفقة.

تشعرني الصفقة، عموماً، بنوع من التحدي المكتوم بين عملاق النفط الأميركي والرئيس جو بايدن، والذي حرص منذ توليه سدة الحكم في 20 يناير 2021 على تشجيع التحول إلى السيارات الكهربائية، والانتقال بالمرافق العامة إلى الطاقة المتجددة، وإذا كان المنتجون الأميركيون يواجهون أساساً صعوبة في العثور على مواقع جديدة للتنقيب، فإن صفقة "بايونير"، تعتبر أسهل لـ "إكسون موبيل" من محاولة التنقيب عن موقع جديد، والأهم، أن الصفقة تجعلها اللاعب المهيمن في حوض بيرميان، متفوقة بكثير على "شيفرون"، أكبر منافسيها، حيث تندمج 850 ألف فدان من "بايونير"، مع 570 ألف فدان من "إكسون موبيل"، مما يجعلها واحدة من أكبر مخزونات النفط والغاز في العالم.

إجمالاً، تعيد الصفقة الحالية "إكسون موبيل" إلى بيتها القريب، بعدما أمضت عقودًا تستثمر في مشاريع حول العالم، وعلى سبيل المثال، فقد استثمرت "إكسون موبيل" 28 مليار دولار في عملياتها الخارجية على مدى العقد الماضي فقط، والآن أصبحت قريبة من قاعدتها الرئيسية في هيوستن، حيث يقع معظم إنتاجها النفطي في تكساس، ويبدو أنها تراهن بقوة على بقاء أسعار النفط مرتفعة نسبيًا خلال السنوات المقبلة، وقد كانت حريصة خلال الأعوام الأخيرة على تقليل استثماراتها، والتركيز على جنى الأرباح وإعادة شراء أسهمها، وهى الآن تعيد تشكيل استراتيجيتها بشكل كبير، لأن شراء "بايونير" التي تعد ثاني أكبر مالك للموارد في حوض بيرميان سيؤدي إلى المزيد من إنتاج النفط، ومضاعفة إنتاج "إكسون موبيل" في حوض بيرميان إلى 1.3 مليون برميل من النفط والغاز يوميًا.