من يتابع شهادة صلاح عمر العلي، عضو القيادة القطرية لحزب البعث في العراق، وأحد الكوادر البعثية المشاركة بفعالية في ثورة .1968.والرفيق السابق للرئيس العراقي المخلوع صدام حسين.. لقناة الجزيرة سيكتشف حتما، أن في شهادة الرجل الكثير من الدقة، والرغبة في الانصاف، والحيطة الذكية في الوقوع في شرك العداء للنظام العراقي السابق، فقط لأنه احد المكتوين بناره، او الفارين من جحيمه.

في شهادة صلاح عمر العلي، ثمة معلومات غاية في الاهمية، وثمة تحليل دقيق لمرحلة من أشد المراحل ظلامية في تاريخ العراق الحديث، وثمة قراءة لتحولات يمكن فهمها او تقديرها على وجه أفضل... لم يثلم في هذه الشهادة سوى ان السياق الذي تعرض فيه يكتنفه الكثير من الرغبة في تصفية الحسابات عن مرحلة من اشد المراحل التباسا وبؤسا وظلامية وشناعة في تاريخ البعث وتاريخ العراق الحديث.

ليست القضية الان، أن تلك الشهادة تحتاج الى الكثير مما يعززها، ويكشف حجم التناقضات التي ابرزتها شهادات أخرى عن المرحلة...ولعل ادلاء شخصيات عراقية بارزة او كان لها دور في صناعة الاحداث او الانقلابات او المؤامرات..بشهاداتهم في الاونة الاخيرة عبر عدة منابر اعلامية، كالفريق ابراهيم الداوود قائد الحرس الجمهوري او نائب رئيس الوزراء العراقي السابق عبدالغني الراوي..وغيرهم يكشف بعض الملابسات..إلا ان ميزة شهادة صلاح عمر العلي، أنها تتحدث عن حقبة صدام من خلال منظور مشارك ومراقب للحدث العراقي وقارئ جيد للتطورات التي تمخضت عنها المرحلة..وكل هذا مؤطر بتاريخ نضالي ومصداقية عبرت عن نفسها من خلال استقالة هذه الشخصية عن العمل الحزبي منذ 1973وعن العمل الرسمي منذ عام .1982.لتحافظ على قيم اخلاقية وانسانية ووطنية ونضالية..ومتى في عز تمتع عراق صدام حسين بالقوة والنفوذ والثروة والدعم العربي والدولي.

لم يفسد تلك الشهادة سوى محاولات الادانة الساذجة التي حاول مقدم الحلقات احمد منصور ان يعلقها على كتف صلاح عمر العلي وغيره من المناضلين الشرفاء في العراق الذين لم يبق منهم صدام على قيد الحياة او قيد الفاعلية احدا منذ توليه ا لسلطة عام

1979.ظهر الاعلامي احمد منصور في جل الحلقات وهو يحاول ان يكون المستجوب والقاضي والحكم في مسيرة البعث والبعثيين، الذي يعرف الكثيرون اخطاءهم..إلا ان المشكلة ان يمرر احمد منصور كل الاوضاع المزرية في عراق صدام حسين ليلصقها بطريقة استفزازية بتاريخ كل من انتمى لحزب البعث، وهو لايركز على شيء اكثر من ان يستشهد بأن مؤسس الحزب عاش في كنف صدام حسين حتى وافته المنية.

مشكلة احمد منصور، انه كان اسيرا لخلفية مسبقة، عن النظام القومي العربي، ووعيه السياسي كان ضحلا، وبالتالي فكل شهادة، هي فرصة مناسبة لتعليق مسؤولية الفشل والتأمل والدموية على منتسبي الحزب مهما كان تاريخهم مختلفاً، وان كان من الممكن فهم تلك المحاولة للادانة من خلال الخلفية الايديولوجية المستحكمة في ذهن المقدم، الا انها غير صالحة حتما لانفاذ مشروع شهادة يجب ان تترك تفاصيلها للشاهد، دون تدخل في اصدار الاحكام او استفزاز التاريخ بالمغالطات..ويجب ان تبقى الشهادة مجالا حرا ليدلي الاخرون بشهادتهم ايضا عن مرحلة من اشد مراحل التاريخ العربي السياسي التباسا وظلامية.