الجاه كلمةٌ واسعةُ الدائرة جدّاً، ومن كان له شيءٌ من القبول والتأثير فله نوع جاه ينبغي أن يوجهه في النفع، وأقرب دوائره الأسرة والأقارب، فمن كان ذا كلمةٍ في أسرته فعليه مسؤوليةٌ كبيرةٌ تتمثل في إبقاء المودة بين أفرادها، وتقريب وجهة أنظارهم إذا مالت إلى التباعد..

مما قدر الله على عباده التفاوت في الصفات والإمكانات والقدرات، وهذا التفاوت تابعٌ لحكمةٍ إلهيةٍ؛ فلا يسع الناسَ رفعُهُ، ولو افترض ارتفاعه بالكلية وأصبح الناس على مسطرة واحدة متساوين كأسنان المشط في كل شيء لاختلَّ نظام معاشهم ولاستحال الأمر إلى فاقةٍ شاملةٍ؛ إذ تبادلهم للمنافع إنما نشأ عن احتياج بعضهم لبعض لامتلاكه ما لا يمتلك، والوجاهة من الإمكانات الجليلة التي إذا وُفِّق المنعم بها عليه في الإسهام بها في الخير فقد سلك سبيل الفضل، ولا يتم ذلك إلا إذا أدرك أنها نعمةٌ أنعم الله بها عليه، وحافظ عليها ووقاها غوائل الابتذال، وربأ بها عن خوارم المروءة، وصرفها فيما ينفع العباد والبلاد على وفق القواعد الشرعية والأنظمة المرعية، فمن كان وجيهاً ونظر إلى نعمة الجاه بتلك النظرة الصائبة، واستعملها هذا الاستعمال فقد ضرب بسهمٍ وافرٍ في الإحسان والمجد، وأدى زكاة الجاه كما ينبغي، ولي مع زكاة الجاه وقفات:

الأولى: الجاه له أسبابه التي يُكتسبُ بها، وهي بعد فضل الله تعالى لا تنفك عن وجود طريقٍ مهَّده الوطن والمجتمع، وبواسطته وصل صاحب الجاه إلى مكانته، وللوطن على ذي الجاه بالخصوص وعلى كل فردٍ من أفراده بالعموم حقوقٌ جمّةٌ لا يستطيع أحدنا قضاءها مهما فعل، لكن يكفيه أن يسعى في سبيل أدائها معترفاً بها، وإذا كان كذلك فَمِنْ وفاء ذي الجاه بما للوطن عليه من حقوقٍ أن يكون جاهه مسخراً تمام التسخير لمصلحة الوطن والمجتمع، فيكون بذلك من آلات تقدم الوطن وازدهاره، ولبنةً صلبةً من السدِّ المنيع الذي يحمي الوطن، ويحفظ أمنه واستقراره، ويداً وفيَّةً مستمسكةً بغرز القيادة من غير أن تتراخى قبضتها عن ذلك، إضافة إلى الإسهام في خدمة المجتمع بما أمكنه من أنواع الدعم على حسب قدراته، وفي مقدمة ذلك الحرص على لُحمته وتماسكه، والغيرة عليه من أن يُنالَ منه بسوءٍ، والإسهام في دفع مسيرته الحضارية إلى الأمام، ومن كان ذا جاهٍ ونحا به هذا المنحى باستمرارٍ فقد قضى بعض حقوق الوطن والمجتمع، وهذا من أسباب استمرار جاهه، وبقاء الذكر الحسن له؛ فإن الأوفياء المخلصين لأوطانهم ومجتمعاتهم هم الذين يتناقل التاريخ الحفاوة بهم والتنويه بأقدارهم، والعكس بالعكس فمن استخدم جاهه فيما يعود بالضرر على وطنه فقد قابل الإحسانَ بالإساءة، وضحى بسمعته، وجعل جاهه في مهبِّ الريح، فهو عرضةٌ لأن ينكشف سوء صنيعه في أي لحظةٍ؛ إذ لا يدوم لمعانُ صورةِ الغاشِّ لأئمة المسلمين وعامتهم، فلا بد له من يومٍ يظهر فيه وجهه الزائف.

الثانية: من خصال المروءة زكاة الجاه بنفع الناس به على الوجه المندوب إليه في الشرع والمأذون فيه نظاماً، وكما يزكو المال بزكاته كذلك يزكو الجاه ببذله ونفع الناس به، وهو من وجوه البرِّ التي يُؤجرُ عليها فاعلها، فعن أبي موسى رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ» أخرجه البخاري، لكنَّ هذه المسألة لها فقهها الدقيق فاستعمال الجاه دائرٌ بين المدح والذم، كما قال تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا)، ويجب التفريق بين صوره المحمودة والمذمومة، بحيث لا يكون الإقبال على الصورة المحمودة مُفضياً إلى المذمومة، ولا يصل الكفُّ عن الصورة المذمومة إلى رفض المحمودة، فنحن أمةٌ وسطٌ، تعتصم بوسطيتها عن الانخراط في الإفراط والتفريط، وعلى ذي الجاه من عامة الناس أن يعلم أن كلمته محدودةٌ محكومةٌ بكلمة النظام، فبمجرد خروجه عن دائرة النظام ينسلخ من مسمى الجاه، ويصير متطفلاً منزوع القيمة.

الثالثة: الجاه كلمةٌ واسعةُ الدائرة جدّاً، ومن كان له شيءٌ من القبول والتأثير فله نوع جاه ينبغي أن يوجهه في النفع، وأقرب دوائره الأسرة والأقارب فمن كان ذا كلمةٍ في أسرته فعليه مسؤوليةٌ كبيرةٌ تتمثل في إبقاء المودة بين أفرادها، وتقريب وجهة أنظارهم إذا مالت إلى التباعد، وترغيبهم في الاستقامة ومعالي الأمور، والتقيد بالنظام وحب الوطن والتزام الجماعة، والحيلولة بينهم وبين الأفكار الهدامة والمتطرفة مهما كانت، وبالمقابل لا يني ولا يتأخر في السعي لكلٍّ منهم في مصالحه الخاصة بما يتيحه النظام، وتتسع الدائرة بعد ذلك، وفي أي اتجاه توسعت فصاحب الكلمة المسموعة مُطالَبٌ ببذلها في دفع السوء وجلب الخير، فالتأثير بالجاه لا يقتصر على مجرد جلب المنفعة المادية المرغوب فيها، بل أهم أنواعه التأثير الحسن على الشخص حتى يكفَّ عن الانخراط في طريقٍ يتضرر بسلوكها، وذلك كله يحكمه الشرع والنظام.