عُرف الذكاء الاصطناعي بدخوله في شتاءات طويلة نتيجة ارتفاع مستوى التوقعات والجرأة في الوعود التي يصعب الوفاء بها، كما لو كان باحثو الذكاء الاصطناعي يسعون وراء سراب بعيد لا يتلاشى ولا يقترب مهما قطعوا من مسافات، مع كل تقدم تحرزه التقنية يرتفع منسوب التوقعات التي ترتفع معه معدلات الاستثمار حتى تفيض عن الحاجة، فإذا ارتدت العوائد مخيبة للآمال دخل الذكاء الاصطناعي في شتاء طويل.

مع بدايات الحوسبة بعد الحرب العالمية الثانية، وجد الباحثون أنفسهم في عصر جديد يعد بمستقبل مختلف، فقد أصبحت كل القدرات التي يتمتع بها الإنسان في متناول الآلة التي سوف تتفوق عليه في ترجمة النصوص وفي حل المشكلات العلمية العويصة، كانت الأفكار المتقدمة التي حملتها هذه الوعود مدفوعة بخيال علمي خصب وجد طريقه إلى المجتمع بطريق الرواية التي حولت إلى مسلسلات وأفلام تصور مستقبل الذكاء الاصطناعي.

كان المشروع الأول في منتصف الخمسينيات الميلادية بين جامعة جورج تاون وشركة "آي بي إم" في مجال الترجمة. زعم الباحثون قدرتهم على ترجمة النصوص من اللغة الروسية إلى الإنجليزية، لكن النتيجة خيبت الآمال، فقد كانت الترجمة غالبا سيئة معنى وصياغة، واستمرت المشاريع الأخرى المشابهة على هذا المنوال، آمال وتطلعات كبيرة ونتائج ضعيفة حتى نهاية الستينيات حيث انكشفت الوعود عن حقيقتها، تبع ذلك شتاء طويل لعقد أو يزيد حتى ارتفعت الآمال مرة أخرى في الثمانينيات.

عادت آمال الذكاء الاصطناعي بالانتعاش بظهور ما يسمى الأنظمة الخبيرة، وهي أنظمة تعد بالمساهمة في اتخاذ القرار في مجال الأعمال والصحة، كان الشعور بمنجزات الحوسبة يدعو إلى التفاؤل أن الإخفاقات السابقة لن تتكرر، وأن الفرصة مواتية لصعود الذكاء الاصطناعي من جديد، وعدت أنظمة اتخاذ القرار في الصحة مثلا، بقدرتها على التشخيص ووصف العلاج، تبع الحماس الكبير الذي صاحب هذه الأنظمة شتاء آخر مثل الأول، بعد أن قورن أداء الأنظمة الخبيرة بالخبراء في مجالهم، تبين قصور الأنظمة بما لا يسمح باعتمادها بديلا أو مساندا لخبراء الصحة أو غيرهم في المجالات الأخرى.

لا شك أننا الآن في مرحلة جديدة من الإنجازات التي كسابقاتها حركت الحماس مما دفع باستثمارات كبيرة في الذكاء الاصطناعي، ولعل من الصعب علينا اليوم أن نتصور شتاءً آخر يأتي بعد التقدم الذي رأيناه، إنما الأمر لا يتعلق بالتقدم بحد ذاته، إنما بالوعود التي تصاحبه فتبالغ في التفاؤل، موجات الصعود والنزول التي صاحبت تاريخ الذكاء الاصطناعي لا يماثلها شيء في المجالات الأخرى، ربما لأن المخيلة التي تصور المستقبل خلقت فجوة يصعب تقليصها من جهة ولا مجال للتنكر لها من جهة أخرى، والأمر كذلك، هل نحن على وعد مع شتاء جديد يتبع ما أنجز حتى الآن، أم أن ما نعيشه اليوم لا مجال للوقوف أمامه؟.